القتل الرحيم بين التجريم و الإباحة
Texte intégral
(2) بسم اهلل الرحمن الرحيم. ِ قال تعالىِ { :م ْن أ ْ ِ يل أ ََّن ُه َمن قَتَ َل سَرِائ َ َج ِل َذل َك َكتَ ْب َنا َع َلى َبني إِ ْ ِ س أَو َفس ٍاد ِ ض َف َكأ ََّنما َقتَ َل َّ ِ يعا َر أل ا ي ف اس َجم ً الن َ سا ِب َغ ْي ِر َن ْف ٍ ْ َ َن ْف ً ْ َ ِ َح َيا َّ سلُ َنا َح َي َ اها فَ َكأ ََّن َما أ ْ َو َم ْن أ ْ يعا َوَل َق ْد َجاء تْ ُه ْم ُر ُ اس َجم ً الن َ ِبالبي َن ِ ير م ْن ُهم َب ْع َد َذِل َك ِفي األ َْر ِ ون } ات ثَُّم إِ َّن َك ِث ًا س ِرفُ َ َ ض لَ ُم ْ المائدة ،اآلية .23.
(3) أتقدم بإهداء ثواب هذا العمل وهذا الجهد المتواضع إلى والدي و ذلك برا ووفاءا له ،رحمه اهلل و أسكنه فساح جنانه. كما أقدم هذا الجهد المتواضع لمقام والدتي حفظها اهلل وأمدها بصحة طيبة سائل المولى أن يرزقنا برها وأن يختم لنا ولها بخير. إلى إخوتي أميرة ،أسماء ،محمد رضا. إلى أصدقائي سارة ،لطيفة ،أمال ،أبو بكر الصديق ،أمين ،و كل أقاربي وزملئي داخل و خارج جامعة عبد الحميد ابن باديس. و إلى كل من كان له الفضل في هذا المقام..
(4) أتقدم بالشكر و التقدير إلى الذين حملوا أقدس رسالة في الحياة إلى الذين قيل فيهم كاد المعلم أن يكون رسوال إلى جميع أساتذتي األفاضل ،وأخص بالذكر الدكتور عبد اللوي جواد الذي كان له الفضل في هذه الثمرة العلمية ،فكان خير معين لي فأسأل اهلل أن يكون ذلك كله في ميزان حسناته. كما أتقدم أيضا بباقات من الشكر إلى مثلي األعلى األستاذ زبار الطيب. وإلى كل من ساهم في بناء هذا العمل ،وأخص منهم :زراق حسين. فجزاهم اهلل كل خير ،وتقبل منهم صالح عملهم..
(5) مقدمــــــــة. الحمد هلل الذي خلق اإلنسان وجعل الموت والحياة ابتالء لإلنسان ،يختبر بها مدى إيمانه وتأثير ذلك ،على عمله الذي سيحاسب عليه بعد موته الموتة األولى ،قال هللا سبحانه سنُ َع َم اًل َو ُه َو ا ْل َع ِزي ُز ا ْل َغفُو ُر» وتعالى« :الَّ ِذي َخلَ َ ق ا ْل َم ْوتَ َوا ْل َحيَاةَ لِيَ ْبلُ َو ُك ْم أَ ُّي ُك ْم أَ ْح َ. 1. سورة الملك. كما قال هللا تعالى ،بسم هللا الرحمن الرحيم « :إِ ْذ قَا َل َربُّكَ لِ ْل َمًلَئِ َك ِة إِنِّي َجا ِع ٌل فِي سبِّ ُح بِ َح ْم ِد َك س ُد فِي َها َويَ ْ سفِ ُك ال ِّد َماء َونَ ْحنُ نُ َ ض َخلِيفَةا قَالُو ْا أَت َْج َع ُل فِي َها َمن يُ ْف ِ األَ ْر ِ ِّس لَ َك قَا َل إِنِّي أَ ْعلَ ُم َما الَ تَ ْعلَ ُمونَ » 2سورة البقرة. َونُقَد ُ س َرائِي َل وقال عز وجل ،بسم هللا الرحمن الرحيمِ « :منْ أَ ْج ِل َذلِكَ َكتَ ْبنَا َعلَى بَنِي إِ ْ اس َج ِمي اعا َو َمنْ أَ ْحيَاهَا ض فَ َكأَنَّ َما قَتَ َل النَّ َ س أَ ْو فَ َ أَنَّهُ َمن قَتَ َل نَ ْف ا سا بِ َغ ْي ِر نَ ْف ٍ سا ٍد فِي األَ ْر ِ ت ثُ َّم إِنَّ َكثِي ارا ِّم ْنهُم بَ ْع َد َذلِكَ فِي اس َج ِمي اعا َو َلقَ ْد َجاء ْتهُ ْم ُر ُ فَ َكأَنَّ َما أَ ْحيَا النَّ َ سلُنَا ِبالبَيِّنَا ِ س ِرفُونَ » 3سورة المائدة. ض لَ ُم ْ األَ ْر ِ من خالل هذا السياق القرآني يتضح لنا أن هللا سبحانه وتعالى ،كرّم اإلنسان أحسن تكريم حيث س ّخر له ما في السموات وما في األرض جميعا ،واسجد له مالئكته وخصه بالعقل ،وهو الميزة التي ف ّ ضله بها على باقي مخلوقاته ،وزوده بمختلف القوى والمواهب ليصل إلى أرقى الدرجات من الكمال واالرتقاء المادي والروحي لعل تحقيق هذه الغاية هو في حقيقة األمر مرهون بمدى توافر عناصر النمو وأخذ الحقوق كاملة ،وفي مقدمة هذه الحقوق التي تضمنها الدين اإلسالمي وأعطى لها حماية كبيرة هي :الحق في الحياة. _1سورة الملك اآلية .20 _2سورة البقرة اآلية .02 _3سورة المائدة اآلية .00 1.
(6) مقدمــــــــة وفي هذا الصدد خطب رسول هللا صلى هللا عليه وسلّم في حجة الوداع فقال: " أيها الناس ،إن دمائكم ،وأموالكم عليكم حرام ،كحرمة يومكم هذا ،في شهركم هذا في بلدكم هذا ،أال هل بلغت ،اللهم فاشهد ،كل المسلم على المسلم حرام ،دمه ،وماله وعرضه"رواه البخاري ومسلم. وتجدر اإلشارة أنه لعظم أمر الدماء ،وخطورتها ،كانت هي أول ما يقضي فيها يوم القيامة بين العباد كما رواه اإلمام مسلم ،وقد شرّع هللا سبحانه وتعالى القصاص انتقاما من القاتل وجعله موعظة لغيره وحفاظا على المجتمع من الجرائم الخطيرة التي تزعزع ب لَ َعلَّ ُك ْم كيانه واستقراره ،فقال تبارك وتعالىَ «:ولَ ُك ْم فِي ا ْلقِ َ ص َحيَاةٌ يَ ْا أُولِ ْي األَ ْلبَا ِ صا ِ تَتَّقُونَ » 1سورة البقرة. وتأيدت هذه اآلية بما ورد في سورة المائدة ،قال تعالىَ «:و َكتَ ْبنَا َعلَ ْي ِه ْم فِي َها أَنَّ وح سنَّ بِال ِّ نف َواألُ ُذنَ بِاألُ ُذ ِن َوال ِّ سنِّ َوا ْل ُج ُر َ النَّ ْف َ س َوا ْل َعيْنَ بِا ْل َع ْي ِن َواألَنفَ بِاألَ ِ س بِالنَّ ْف ِ اص» 2سورة المائدة. ص ٌ قِ َ بناءاً على ما سبق ،فإن جريمة القتل وفقا للشريعة اإلسالمية تدخل ضمن جرائم الحدود ،وهي الجرائم المعاقب عليها بالحد ،والحد هو العقوبة المقدرة حقا هلل تعالى في مكافحة األفعال الخطيرة بالمقومات األصلية لكل مجتمع مع العلم أن فقهاء الشريعة اإلسالمية قد وفقوا كامل التوفيق حينما ع ّرفوا الجريمة تعريفا وافيا بأنها محظورات شرعية زجر هللا عنها بحد أو تعزير. والمحظورات هي إما إتيان فعل منهي عنه ،أو ترك فعل مأمور به ،وقد وصفت المحظورات بأنها شرعية إشارة إلى انه يجب في الجريمة أن يحظرها الشارع بنص بناءا على ما وضعته الشريعة من أسس وقواعد ،ومن هذا المنطلق يبدو لنا التباين والفرق الشاسع بين السياسة الجزائية اإلسالمية والتشريع الجنائي الوضعي ،هذا األخير الذي _1سورة البقرة اآلية .971 _2سورة المائدة اآلية .54 2.
(7) مقدمــــــــة يضبط مفهوم الجريمة بأنها كل سلوك يمكن إسناده إلى فاعله يضر أو يهدد بخطر لمصلحة محمية بجزاء جنائي. ونالحظ في هذا المجال أن معظم التشريعات العقابية الحديثة قد اعتمدت في تقسيمها القانوني للجرائم على معيار جسامة الفعل ،حيث نصت المادة 07من قانون العقوبات الجزائري على أنها تقسم إلى جنايات وجنح ومخالفات وتطبق عليها العقوبات المقررة للجنايات أو الجنح أو المخالفات ،1مع اإلشارة إلى أن معظم الدول قد نهجت في سن قوانينها نهج المتشدد والصارم في معاقبة كل من قام بانتهاك حق الحياة حسب درجة الخطورة الواقعة عليه ،فقد يكون الحكم على الجاني قاسيا وذلك القتران فعله ببعض الظروف المشددة التي تزيد من جسامة العقوبة هذا من جهة ،ومن جهة أخرى قد يصاحب الجريمة وجود عذر أو ظرف مخفف قد يؤدي إلى تخفيض العقوبة لصالح المتهم وذلك لوجود حكمة أخذها المشرع بعين االعتبار. غير انه ما يلفت انتباهنا هو وجود بعض الحاالت التي كانت محل جدل بين مختلف فقهاء القانون وعلماء الطب ،والتي تتمثل في القتل الرحيم الذي كان نتيجة حتمية للتطورات الطبية واالكتشافات البيولوجية وغيرها من المستجدات التي كان لها كامل األثر والفعالية في تغيير المفاهيم والقواعد األصولية المستقر عليها في علمي الطب والقانون ،حيث انقسمت السياسة الجزائية إلى ثالث أقسام: قسم مؤيد لهذا النوع من القتل لوجود مبررات كزرع األعضاء و اإلشفاق على المريض .وقسم رافض له ،لكونه يمس بأقدس حق لإلنسان و هو الحق في الحياة. و باإلضافة إلى هذين القسمين هناك قسم يمنع هذا النوع من القتل و لكنه يأخذ بفكرة تخفيف العقوبة.. _1األمر رقم 946_66المؤرخ في 8جوان سنة 9166م ،الذي يتضمن قانون العقوبات الجزائري ،المعدل والمتمم في الجريدة الرسمية رقم 05سنة ،0229المادة .07 3.
(8) مقدمــــــــة موضوع القتل الرحيم يحظى بأهمية قصوى في يومنا هذا ،وذلك نظرا للتطورات الطبية والعلمية والسعي الحثيث وراء االكتشافات ،ونظرا لتعقد المجتمعات ظهرت فيها أمراض مزمنة وأخرى قاتلة مثل :السيدا ،السرطان ،الكوليرا ،الطاعون واالنتحار بمختلف صوره وعجز الطب عن شفائها ،فبدأ التسهيل وعدم تجريم عملية القتل الرحيم أي قتل اإلنسان الميئوس من شفائه رحمة به من طرف بعض األطباء أو األشخاص المساعدين على هذا القتل. فسعيا منَّا لنضع بعض اللمسات على هذا الموضوع وتبيان موقف الدين والقوانين التي تمنع وتجرم هذا القتل ،وبعض القوانين التي تبيحه .وهناك أسباب ودوافع أدت بنا إلى اختيار هذا الموضوع منها ما هو موضوعي ومنها ما هو ذاتي فاألسباب الموضوعية تتمثل فيما يلي: .9عدم التطرق الدفعات األخرى لهذا الموضوع. .0النقص الكبير في مكتباتنا لمثل هذه المواضيع. .0إظهار حقيقة القتل الرحيم و اآلراء المؤيدة و المناهضة له. .5حاجة العاملين في المجال الطبي ،والمرضى وأوليائهم ،وواضعي القوانين واألنظمة الطبية وغيرها ،إلى معرفة الحكم الشرعي المعتمد على الدليل والتأصيل العلمي. أما األسباب الذاتية فأهمها ما يلي: .9منع أي تالعب بالروح اإلنسانية التي قدستها جل الديانات السماوية. .0تقديم األمل للمرضى الميئوس من شفائهم وأن ال نساعد على قتلهم. إال أننا نجد القتل الرحيم هو بفعل فاعل من أجل إنهاء آالم ذلك الشخص الذي ال يرجى شفاؤه ،فيقوم شخص أخر بقتله رحمة به ،وفي الحقيقة ال رحمة بالقتل.. 4.
(9) مقدمــــــــة اعتمدنا في منهج بحثنا هذا على المنهج االستقرائي المقارن الذي وجدناه مالئما لهذا الموضوع ،وذلك لمناسبته مع طبيعة الدراسة التي تعتمد عل األدلة الشرعية والقواعد الفقهية وأقوال أهل العلم مع مقارنته بالقوانين الوضعية. تتمثل الحدود الموضوعية لهذه الدراسة في التعرف على مفهوم القتل الرحيم وصوره وأنواعه ،ومعرفة الحكم الشرعي ،والمسؤولية الجنائية المترتبة عليه مقارنا بالشريعة اإلسالمية و الدين المسيحي والقوانين الوضعية. ومن المناسب أيضا ً أن أبدأ بتعريف أهم مصطلحات هذا الموضوع والمتمثلة في: أوال :القتل(القتل بدافع الرحمة) :القتــل لغة :قال ابن فارس ":القاف والتاء والالم أصل صحيح ،يدل على إذالل وإماتة" قتله إذا أماته بضرب ،أو حجر أو سم أو علة والمنية قاتلة 1وقتله يقتله قتال ،والقتلة بالكسر الهيئة ،يقال قتلة سوء ،والقتلة بالفتح المرة. إزهاق الروح ،نقول قتله أي أزهقت روحه فهو قتيل ،والمرأة قتيل أيضا إذا كان وصفا فإذا حذف الموصوف جعل اسما وأدخلت عليه الهاء نقول :رأيت قتيلة بني فالن. أما اصطالحــا :عرّف القتل بعدة تعريفات منها: _ فعل يحصل به إزهاق الروح.2 _ فعل من العباد تزول به الحياة. و قيل هو تسهيل موت الشخص المريض الميئوس من شفائه ،بناءا على طلب ملح منه مقدم للطبيب المعالج.3. _1ابن فارس،أحمد بن فارس زكريا ،معجم مقاييس اللغة ،الطبعة ،29دار الجيل ،بيروت 9152م.)46(/4(، _2جابر إسماعيل الحجاحجة ،القتل بدافع الشفقة ،المجلة األردنية في الدراسات اإلسالمية ،المجلد الخامس العدد(/0أ) األردن ،0221الصفحة (.)005 _3محمد علي البار ،أحكام التداوي والحاالت الميئوس منها ،ط ،29دار المنارة ،جدة 9114م ،الصفحة (.)68 5.
(10) مقدمــــــــة ويالحظ على التعريفات السابقة للقتل ،أن الموت عندهم ال يسمى قتال وال يعد من أنواع القتل ،وال يعد القتل قتال إال إذا حصل بفعل آدمي. ع ّرفت الرحمة لغة :مصدر رح َم وجمعها ر َح َما َء ،وتأتي بمعا ٍن عدة منها:1 اس َر ْح َمةا ِمنْ بَ ْع ِد _9الخير والنعمة والرخاء ،ومنه قوله تعالى{ :وإِ َذا أَ َذ ْقنَا النَّ َ س ْتهُ ْم} أي إذا أذقنا الناس رخاء وخيراً ونعمةً بعد شد ٍة وجدب.2 ض َّرا َء َم َّ َ _0ال ِّرقة والتعطّف والرأفة ،ومنه قولهم :تراحم القوم إذا َرح َم بعضهم بعضا ً. كما ع ِّرفت الرحمة اصطالحا ً بعدة تعريفات ،منها: _9الرحمة :إرادة إيصال الخير. _0الرحمة :صفة تقتضي إيصال المنافع والخير. _0الرحمة :حالة وجدانية تعرض غالبا ً لمن به رقّة القلب وتكون مبدءاً لالنعطاف النفساني الذي هو مبدءاً لإلحسان. التعريف اإلجرائي :هو تسهيل موت النفس البشرية ومن في حكمها بدافع الرحمة والشفقة من الطبيب أو غيره سواء كان بطلب من المريض أو ذويه أو لدونهما. وبهذا يكون التعريف شامال لحقيقة القتل الرحيم وصوره المختلفة سواء ما وقع على نفس مكتملة النمو أو على الجنين غير مكتمل النمو ،وسواء كان الطبيب أو غيره وسواء كان برضا من المريض ،أو ذويه ،أو بدون رضا.. _1ابن منظور ،لسان العرب ،ط ،9دار الفكر ،بيروت ،لبنان 9112م.)009/90( ، _2ابن فارس ،المرجع السابق ،ص (.)556 6.
(11) مقدمــــــــة ثانيا ً :النـــوازل لغــــة :جمع نازلة ،وهي المصيبة الشديدة من الشدائد الدهر تنزل بالناس 1يقال نزلت بهم نازل ،ونائبة ،وحادثة ،ثم آبدة ،وداهية وباقعة ثم بائقة وحاطمة وفاقرة ثم غاشية وواقعة وقارعة ثم حاقة وطامة وصاخة ،وهذا التقسيم اللغوي باعتباره درجة ومرتبة شدة هذه النازلة بالناس ،وتجمع على نوازل ونازالت. اصطالحا :تطلق كلمة النـوازل بوجه عام على المسائل والوقائع التي تستدعي حكما شرعيا والنوازل بهذا المعنى تشمل جميع الحوادث التي تحتاج لفتوى ،أو اجتهاد ليتبين حكمها الشرعي سواء كانت هذه الحوادث متكررة أم نادرة الحدوث ،وسواء كانت قديمة أم جديدة ،غير أن الذي يتبادر إلى الذهن في عصرنا الحاضر من إطالق مصطلح ال نازلة انصرافه إلى واقعة أو حادثة جديدة لم تعرف في السابق بالشكل الذي حدثت فيه اآلن ومن مرادفات كلمة النوازل الحوادث ،الوقائع ،المسائل والقضايا المستجدة.2 ثالثا :اإلنعــــاش لغة :يقال نعشه هللا ينعشه نعشا وأنعشه :رفعه .وانتعش :ارتفع واالنتعاش أي رفع الرأس. قال ابن السكيت :نعشه هللا أي رفعه ،وال يقال :أنعشه وهو من كالم العامة.3 المراد باإلنعاش عند األطباء :المعالجة المكثفة التي يقوم بها طبيب أو مجوعة من األطباء و مساعديهم لمساعدة األجهزة الحياتية حتى تقوم بوظائفها ،أو لتعويض بعض األجهزة المعطلة قصد الوصول إلى تفاعل منسجم بينها. واألجهزة الحياتية األساسية هي :المخ والقلب والكلى والدم للتوازن بين الماء واألمالح.4 _1القحطاني ،مسفر بن علي ،منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة ،ط ،9دار األندلس الخضراء9505( ،ه) ص (.)12_87 _2القحطاني ،نفس المرجع ،ص (.)10_10 _3ابن منظور ،المرجع السابق.)044/6( ، _4ندى محمد نعيم الدقر ،موت الدماغ بين الطب و اإلسالم ،دار الفكر ،ط ،9دمشق ،سوريا ،0220 ،ص(.)090 7.
(12) مقدمــــــــة رابعا ً الموت الدماغي :يعرف األطباء الموت بأنه ":توقف القلب ،والدورة الدموية والتنفس توقفا ال رجعة فيه". وموت الدماغ هو :تلف دائم في الدماغ يؤدي إلى توقف دائم لجميع وظائف بما في ذلك جذع الدماغ.1 ومكونات الدماغ هي :المخ ،المخيخ ،جذع الدماغ. خامسا ً اإلجهـــاض لغة :ورد اإلجهاض في اللغة من الفعل جهض ،حيث يقول العرب أجهضت الناقة إجهاضا ً ،وهي مجهض أي ألقت ولدها لغير تمام ،وقد يرد اإلجهاض بمعنى االمالص أو الطرح ،2أي إلقاء الجنين إذا لم يستبين خلقه قبل الوقت. كما يرد اإلجهاض باسم األسالب فيقال أسلبت الحامل ،أي أسقطت ويقال امرأة سلوب إذا مات ولدها أو ألقته من رحمها بغير تمام.3 اإلجهاض اصطالحا :هو إلقاء الحمل ناقص الخلق أو ناقص المدة ،ويسمى أيضا اإلسقاط والطرح واإلمالص.4 سادسا ً حق اإلنسان في الحياة :الحياة هي وصف للجسم الذي يباشر مجموعة من الوظائف العضوية والحركة الذهنية على النحو الذي تحدده قوانين الطبيعة.. _1ندى محمد نعيم الدقر ،المرجع السابق ،ص (.)54 _2عمر بن محمد إبراهيم غانم ،أحكام الجنين في الفقه اإلسالمي ،ط ،9دار األندلس الخضراء للنشر والتوزيع جدة 0229م ،ص (.)999 _3كشيدة الطاهر ،المسؤولية الجزائية للطبيب ،مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الطبي ،كلية الحقوق والعلوم السياسية ،تلمسان ،0299 ،ص (.)924 _4زهير أحمد السباعي ،محمد علي البار ،الطبيب أدبه و فقهه ،دار القلم (دمشق) ،ال ّدار الشامية (بيروت) ،ط9 9110م ،ص (.)060 8.
(13) مقدمــــــــة والحق في الحياة هي المصلحة التي يحميها القانون في أن يظل الجسم الحي مؤديا ً وظائفه األساسية حتى ال تتعطل تعطيال أدبيا ً.1 تهدف الشريعة إلى تحقيق مصالح الناس في اجلهم وعاجلهم ،وال يتم ذلك إال بتحقيق مقاصد الشرع وأغراضه ،ولع ّل من أهم هذه المقاصد حفظ الضروريات الخمس (الدين والنفس ،النسل ،المال والعقل). وحرمة المساس بحق اإلنسان في الحياة تستند في أساسها إلى القران الكريم ض َب ه والسنّة النبوية ،قال تعالىَ {:و َمن َي ْقتُ ْل ُم ْؤ ِمناا ُّمتَ َع ِّمداا فَ َج َزآ ُؤهُ َج َهنَّ ُم َخالِداا فِي َها َو َغ ِ ّللاُ َعلَ ْي ِه َولَ َعنَهُ َوأَ َع َّد لَهُ َع َذاباا َع ِظي اما} سورة النساء.2 إن اإلسالم درأ عن الحياة االعتداء واالختالل وعبث العابثين ،مما يحقق للمجتمع أمنه وسكينته ورخاءه و استقراره. وهذا القتل قديم قدم الحضارات الغابرة ،إال أننا نجده في زمننا هذا ،ونظرا للتطورات العلمية االكتشافات الكبيرة .فهالة التقديس المصاحبة للموت والحياة لم تعد قائمة عند البعض ،حتى بدافع إنساني أصبح الجسد ليس بعيدا عن نطاق التصرف والتجارة وأصبحت الروح محال للمساومة ذلك عن طريق عدة مداخل ومنافذ ،فتارة عن طريق زرع األعضاء ،وأخرى عن طريق االستنساخ ،وتارة لسبب االكتشاف أمام هذا الوضع المتردي ،وانطالقا من واقعنا المعاش ،يبرز السؤال الرئيسي الذي نسعى للوصول إلى جواب عنه و هو: _ ما مفهوم القتل الرحيم ،وما صوره ،وما الحكم الشرعي فيه مقارنا بالقوانين الوضعية وما المسؤولية الجنائية المترتبة على ذلك ؟. _1جابر إسماعيل الحجاحجة ،المرجع السابق ،ص (.)005 _2سورة النساء ،اآلية .10 9.
(14) مقدمــــــــة ولغرض معالجة اإلشكالية المطروحة واإلحاطة بكل جوانب الموضوع تشتق التساؤالت الفرعية التالية: ما مفهوم مصطلح القتل الرحيم (النشأة ،األسباب ،األنواع و الصور) وما الرأي الطبي في موضوع القتل الرحيم وما عالقته بأخالقيات المهنة الطبية وما موقف الشرائع السماوية من القتل الرحيم وما موقف القوانين الوضعية من القتل الرحيم ؟ وعلى ضوء ما سبق عرضه ارتأينا إلى تقسيم هذه الدراسة من خالل الخطة التالية: _ الفصل األول :ماهية القتل الرحيم. _ المبحث األول :مفهوم القتل الرحيم ونشأته. _ المبحث الثاني :القتل الرحيم بين أسباب اإلباحة وجريمة االنتحار وعالقته بأخالقية مهنة الطب.. _ الفصل الثاني :موقف الشرائع السماوية والقوانين الوضعية من القتل الرحيم. _ المبحث األول :التشريعات المؤيدة للقتل الرحيم. _ المبحث الثاني :التشريعات المعارضة للقتل الرحيم. وفي األخير شفعنا دراستنا بخالصة تناولنا فيها أهم النتائج والتوصيات المستخلصة من البحث.. 10.
(15) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. ماهية القتل الرحيم تعتبر مشكلة القتل الرحيم مشكلة إنسانية شغلت الفقه والقضاء على السواء السيما حاليا ،وصلب المشكلة يكمن في أن العدوان الواقع في مثل هذا القتل ال ينبعث عن نفس إجرامية وإنما على العكس عن نفس رحيمة تشفق على إنسان كان محال لهذا العدوان. وفي هذا الصدد يثار التساؤل حول ما إذا كان من الجائز قانونا لطبيب ،أو ألي شخص آخر أن يقتل عن قصد مريضا ال يؤمل شفاؤه أو لمساعدته على إنهاء آالمه بعد أن يئس الطب من شفاءه و تركه وآالمه ،أو طفالا مشوها ا معاقا رحمة به وشفقة عليه.1 وبناء على التساؤالت السابقة فإننا نحاول من خالل هذا الفصل التعرض إلى تحديد ماهية القتل الرحيم ،نشأته ،أنواعه ،وعالقته بأخالقية مهنة الطب.. _1أحسن بوسقيعة ،الوجيز في القانون الجنائي الخاص ،الجزء األول ،دار هومة ،ط ،10الجزائر 8112 ص(.)01 11.
(16) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. المبحث األول مفهوم القتل الرحيـم و نشأته سوف نتعرض في هذا المبحث ،تحديد المقصود بالقتل الرحيم باإلضافة إلى حل بعض المشاكل والتناقضات التي تثيرها هذه التسمية ،ثم ننتقل بعدها إلى إلقاء نظرة عن التطور التاريخي لهذا النوع من القتل .وفي الختام نتعرض إلى أنوع القتل بدافع الشفقة والتقسيمات التي اعتمدها األطباء والقانونيون على ذلك. وسنحاول عرضها من خالل المطالب التالية: المطلب األول :تعريف القتل الرحيم. المطلب الثاني :لمحة تاريخية عن القتل الرحيم. المطلب الثالث :أنواع القتل الرحيم وصوره.. المطلب األول تعريف القتل الرحيم إن التسمية األصلية اليونانية القديمة لما يسمى "قتل الرحمة" كانت تتكون من كلمتين هما " "Euومعناها الرحمة ،و" "Thanatosومعناها الموت ولهذه التسمية عدة معان منها موت طيب أو سعيد A Good Death or Happy Deathأو قتل الرحمة Killing Mercyأو موت بشرف Death with Dignityأو التخلص السهل من األلم The Deliberate Easing Of Paineأو موت هادئ Peaceful 12.
(17) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. Deathأو طريقة التخلص من المعمرين Eldersأو المعاقين Handicappersأو قبيحي المنظر Unsightlyأو المشوهين .1Malformed وتجدر اإلشارة إلى أن التسمية السابقة قد أصبحت في اللغة اإلنجليزية Euthanasiaوفي اللغة الفرنسية Euthanasieوهي تعني الموت الطيب La ،Bonne Mortكما تعني موت هادئ بدون ألم وال معاناة Mort Douce Et Sans .2Souffrance ونرى أن تسمية الموت بدافع الشفقة La mort par pitiéهي أدقها تعبيرا حيث أن الدافع على إنهاء حياة المريض الميئوس من شفائه هو الشفقة عليه ،للحد من آالمه التي ال يحتملها وال يرجى أمل في الشفاء منها. فمن المعروف أن أشد عقوبة يمكن أن توقع على اإلنسان هي القتل وتستوي في ذلك القوانين الوضيعة والشرائع السماوية ولكن هذا ال يمنع من القول بأن فالسفة اليونان القدماء الذين وضعوا هذا االسم أو وافقوا على وضعه ،على األقل قد بذلوا الجهد المعروف عنهم ،لوضع تسمية تدل على معنى هذا القتل ،وأنهم لم يجدوا أنسب من هذه التسمية ،ويبدوا لنا أنهم وجدوا أن القتل موجود فعال سلبا أو إيجابا وأن الدافع إليه هو الرحمة وتخفيف ضرر المعاناة من المرض أو غيره ،وضرر الموت وترجيحه على المعانات يدخل في باب الرحمة ،وهو نفس المعيار بالنسبة لمن يقتل غيره رحمة به 3ومن خالل حل اإلشكال الذي تثيره تسمية "القتل الرحيم" يمكن لنا أن نعرف هذا. _1محمد عبد الجواد محمد ،بحوث في الشريعة اإلسالمية والقانون ،منشأ المعارف باإلسكندرية ،0991 ،ص (.)09 _2هدى حامد قشقوش ،القتل بدافع الشفقة ،دار النهضة العربية 28س عبد الخالق ثروت ،القاهرة ،0991 ،ص (.)11 _ 3محمد عبد الجواد محمد ،نفس المرجع ،ص (.)021 13.
(18) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. النوع من القتل كما يقرر األطباء1بأنه هو "تسهيل موت الشخص المريض الميئوس من شفائه بدون ألم أو بتخفيف أالمه رحمة به ،سواء كان هذا الشخص مريضا عاديا أو طفالا مشوها ا ويمكن أن يأخذ ثالث صور هي: _10إعطاء المريض جرعة كبيرة من دواء مخفف اآلالم ،ويكون هذا الدواء قويا بحيث يقضي عليه. _18أالا يستطيع المريض التنفس إال بواسطة جهاز خاص ،فيفصل عنه هذا الجهاز فيقف تنفسه فيموت. _12أن يكون عالج المريض مؤديا إلى استمرار حياته وآالمه دون شفاء فتوقف العالج يؤدي إلى موته وهنا يتحقق الدافع من هذا القتل. وباإلضافة إلى هذا المفهوم السابق للقتل بدافع الشفقة فقد عرفه البعض 2بأنه وضع حد لحياة مريض ال يرجى شفاؤه لتخليصه من أالمه المبرحة فهذا النوع من القتل يفترض وجود حياة إنسان طبيعية تسبب لصاحبها أالما ال تحتمل ويضع حد لهذه اآلالم بقتل المريض طبيا ،وقد ذهبت أغلب التشريعات إلى اعتبار القتل إشفاقا جريمة قتل عمد تتوافر فيها جميع أركان الجريمة ،من فعل مادي من شأنه إزهاق روح إنسان حي ،وقصد جنائي بتوافر إرادة الجاني إلى االعتداء على حياة إنسان حي وإزهاق روحه مع علمه بذلك ،وبصرف النظر عن الدوافع والبواعث إلى ارتكابها ألنه ال عبرة في القانون الجنائي ببواعث نبيلة وأخرى دنيئة.. _1أسئلة عن آداب الطب اإلسالمي ،قسم الطب اإلسالمي ،مركز الملك فهد للبحوث الطبية ،جامعة الملك عبد العزيز 0111هـ0922-م ،ص( )22و( ،)21مقتبس عن "محمد عبد الجواد محمد" ،المرجع السابق ،ص (.)811 _2عبد الوهاب حومد ،القتل بدافع الشفقة –عالم الفكر -المجلد الرابع -العدد الثالث ،0912ص (.)110 14.
(19) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. غير أن بعض المحاكم -في النظم التي تأخذ بنظام المحلفين -أصدرت أحكاما بالبراءة على أساس أن هذا القتل ال ينبعث عن نفس إجرامية لدى المتهم ،بل على العكس عن نفس إنسانية رحيمة. فانسياق المحلفين وراء البواعث اإلنسانية ،واالجتماعية عكس االتجاه الذي يدخل العنصر الشخصي في القانون الجنائي :وهو أن الفعل ال يخلق المتهم ،إذا لم تكن إرادته آثمة.1 وعليه فإن كلمة األوتانازيا تعني لغويا ا الموت أو القتل الرحيم أو الموت الح َسن أو الموت الميسر. هناك من الفقهاء من يفضل تسمية " تيسير أو تسهيل الموت " ألن عبارة " قتل الرحمة" بالرغم من داللتها على أن القصد هو الرحمة بالمريض بإنهاء آالمه وبالقضاء على حياته ،إال أن القتل والرحمة متناقضان من حيث المعنى والمضمون.2 ويعرفه البعض بأنه "وضع حد لحياة مريض ال يرجى شفاءه من آالمه المبرحة" فهذا النوع من القتل يفترض وجوده حياة إنسانية طبيعية ،تسبب لصاحبها آالما ال تحتمل ،ويوضع حد لهذه اآلالم بقتل المريض.3 ويختلف القتل الرحيم عن القتل بناء على طلب أو برضاء المجني عليه في كون القاتل يرتكبه دون طلب أو رضاء سابق على الفعل من المجني عليه ،بل يرتكبه من نفسه بدافع الشفقة عليه إلراحته من اآلالم التي حلت به.. _1عبد الوهاب حومد ،المرجع السابق ،ص (.)029 _2عراب تاني نجية ،مدى مساءلة األطباء جنائيا عن القتل الرحمة ،مجلة العلوم القانونية واإلدارية ،العدد 2 تلمسان ،ص (.)012 _3محمد عبد الجواد محمد ،المرجع السابق ،ص(.)81( ،)09 15.
(20) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. ويعرف المعجم الموسوعي الفرنسي قتل الرحمة بما ترجمته ":موت هين بدون آالم ،في حالة تنويم ،باستعمال مواد مسكنة مثل (المورفين) والتي تجنب المريض في الحالة الميئوس من عالجها ،آالما مبرحة ومستمرة ،أو تدهورا جسميا أو معنويا كما لو كان الحال بدون عالج".1 كما يعرفه محمد عبد الجواد على أنه "استجابة الطبيب المعالج لرغبة مريضه بإنهاء حياته ،نتيجة لمعاناة هذا المريض من آالم مبرحة ال يمكن تحملها والميئوس من شفائها نهائيا ا و قطعيا ا".2 غير أنه في وقتنا الحاضر هناك عدة مفاهيم تندرج وراء اصطالح قتل الرحمة ويمكن تقسيمها إلى ثالثة: _» قتل الرحمة « بمبادرة فعلية :Euthanasie Active par. la. mort. donne. l'on. où. active. L'euthanasie. l'administration de médicaments ou de poisons qui provoquent la .mort du malade. 3. وينطوي وراءه قتل إرادي يقوم به شخص من تلقاء نفسه أو بطلب من المريض كأن يقوم طبيب مثال بتدخل فعلي لقتل المريض بوسيلة ما ،مثل إعطائه دواء يسكت أنفاسه إلى األبد .ويطلق عليه كذلك "قتل الرحمة العمد".4. _1أمل العلمي ،قتل الرحمة والسلوك الطبي من منظور الشريعة والقانون ،ط ،0آنفو برينيت ،فاس ،المغرب ،ماي 0991م ،ص (.)09 _2محمد عبد الجواد محمد ،نفس المرجع السابق ،ص (.)011 _ Pour ou contre l’euthanasie, Dissertation rédigée à partir de copies d'élèves, 1995.. 3. _4أمل العلمي ،المرجع السابق ،ص (.)81 16.
(21) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. _» قتل الرحمة « باتخاذ موقف سلبي :Euthanasie Passive L'euthanasie passive qui consiste à laisser mourir la personne de mort naturelle, en débranchant par exemple les appareils qui le maintiennent en vie ou en n'administrant plus de médicaments و يعني إهمال العالج أو التخلي عن وسائله التي من شأنها إطالة حياة المريض. وهنا قد تكون المبادرة من المريض نفسه ،أو الطبيب ،أو من ذوي المريض عن قصد أو غير قصد .وقد يالحظ المرء أن أفراد عائلة بعض المرضى ،خصوصا منهم من يكون في غيبوبة ،يستعجلون إخراجهم من المصحات الخاصة وليس بين أحضان ذويه ،وذلك رغم إصرار الطاقم الطبي على تقديم العالج.1 تندرج هذه الحالة إذا هلك المريض على إثر ذلك ضمن" قتل الرحمة" باتخاذ موقف سلبي من العالج ،وهكذا يقترف أفراد األسرة جريمة قتل شنعاء في حق مريضهم العزيز عليهم من حيث ال يشعرون ،كما أن عقابها شديد عند هللا. وعلى نقيض هذا قد يرشد بعض األطباء خطأ ذوي مرضاهم ،أن يأخذوا المصاب إلى بيته النتظار أجله مدعين أنه ميئوس العالج .وقد يكون كذلك ،لكن في بعض األحوال –الشاذة -كان الدافع هو مخافة أن يتم موت المريض في مصحة خصوصية فيسيء ذلك إلى سمعة الطاقم الطبي والمصحة معا ،فتضليل عائلة المريض ومساعدتهم على عدم استنفاذ وسائل العالج هو جريمة كذلك تندرج ضمن "قتل الرحمة السلبي ". _1أمل العلي ،المرجع السابق ،ص (.)81 17.
(22) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. _ و أخيرا » قتل الرحمة« غير المباشر ):(Euthanasie indirecte ويقصد منه مثال استعمال وسائل عالجية خطيرة بكيفية إرادية رغم مخاطرها الجسيمة على حياة المريض بالمقارنة مع العالج بوسائل أخرى دونها خطورة. وقد نجد من بين المصطلحات مفهوما آخر باسم "قتل الرحمة االجتماعي" يدل في الواقع على قتل عمد في غياب عن إرادة المريض ألسباب كثيرة :منها الشفقة على إنسان به نقص ،واالعتقاد أن بعض حاالت الوجود اإلنساني ال معنى الستمرارها و الرغبة في تخفيف العبء على عائلة الضحية أو على قسم استشفائي من حالة المعاناة المؤلمة أو الصعبة التحمل ،أو كذلك ألسباب اقتصادية. وبدون شك فإن قتل الرحمة االجتماعي مورس بكيفية مكثفة أكثر في القرن العشرين ،فالنظام النازي " تف ا ضل" على 811,111طفل مشوه ،أو مختل أو ميئوس من عالجه بالموت ،وكان من ذلك أن االستنكار العالمي الذي أعقب هذه الجريمة الشنعاء بتصفية األطفال المرضى والمعطوبين أيقظ الحذر من كل دعوة تتبنى ممارسة قتل الرحمة االجتماعي.1 ومن خالل ما ذكرنا من التعريفات السابقة فإن المقصود من القتل الرحيم هو تسهيل موت شخص ما يعاني من أمراض ميئوس منها ،وال يرجى شفاؤه منها ،فيقوم الطبيب أو غيره بهذا القتل بدافع الرحمة والشفقة سلبيا ا أو ايجابياا ،إلراحة المريض من هذه آالمه المبرحة.. 2. _ 1أمل العلمي ،المرجع السابق ،ص (.)88 _2عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون ،القتل الرحيم (دراسة تأصيلية مقارنة) ،رسالة لنيل شهادة الماجستير قسم العدالة الجنائية ،تخصص التشريع الجنائي اإلسالمي ،جامعة نايف العربية للعلوم األمنية ،الرياض8119 ،م ص (.)01 18.
(23) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. أما في التعبير العلمي المعاصر فتعني كلمة األوتانازيا "تسهيل موت ح منه مقدم للطبيب المعالج ". الشخص المريض الميئوس من شفائه بناء على طلب ملِ ٍ. المطلب الثاني نظرة تاريخية عن القتل الرحيم تعود الجذور التاريخية لهذا النوع من القتل إلى مراحل عميقة في التاريخ حيث تشير الروايات إلى أن هذا النوع من القتل كان يستخدم في مجال الحيوانات فكان الحيوان الذي يتوجع وال يرجى في شفائه واالنتفاع به يقتل راحة له من عذابه. Il s’agissait dans l'antiquité d'une mort au combat, d’une ou d’une mort couronnant une belle vie. ,mort pour des valeurs Puis ce terme a pris le sens d’une mort sans douleur, et aujourd’hui celui, presque exclusif, d’une mort provoquée .volontairement. 1. ينسب مصطلح القتل الرحيم أو القتل بدافع الشفقة L’euthanasieإلى القس والفيلسوف االنجليزي " Roger Baconروجيه باكون" ،امتدت حياته ما بين عامي 0801و 0891في القرن الثالث عشر ،والذي كان يقول ":على األطباء أن يعملوا على إعادة الصحة إلى المرضى ،وتخفيف آالمهم ،ولكن إذا وجدوا أن شفاءهم ال أمل فيه ،فيجب عليهم أن يهيئوا موتا ا هادئا ا وسهالا ،وإن األطباء ال يزالوا يعذبون مرضاهم رغم قناعتهم بأنهم ال يرجى شفائهم.2. _ Jean René Moret,Exposé d’éthique , L’euthanasie, 02 juin 2012.. 1. _2هدى حامد قشقوش ،المرجع السابق ،ص (.)02(،)08 19.
(24) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. كما أن لكالم "روجيه باكون" أصوالا في الفلسفات اليونانية القديمة فنجد "Platonأفالطون" يقول في كتابه الجمهورية الكتاب الثالث والذي قرر فيه ":إن على كل مواطن في دولة متقدمة واجبا يجب أن يقوم به ،ألنه ال يحق ألحد أن يقضي حياته بين األمراض واألدوية ،ويجب وضع قانون مؤداه وجوب تقديم العناية إلى كل المواطنين األصحاء جسميا ا وعقلايا ،أما الذين تنقصهم سالمة األجسام ،فيجب أن يتركوا للموت.1 وهذا الكالم موافق لكالم "سقراط" وأتباعه الذين سموه "التدبير الذاتي للموت بشرف" ولذلك نجد سقراط سعى لتطبيق ذلك على نفسه ،وذلك عندما سعى طالبه لتهيئة الوضع له لتهريبه من السجن الذي سجن فيه ،رفض ذلك بل ولجأ إلى تناول السم لكي يموت يشرف. وكان "توماس مور" Thomas Mooreفي كتابه "الوهم" Utopieعام 0101م يرى أن على أن القس والقضاة حث التعساء على الموت ،وكان هذا هو نفس رأي الفيلسوف"نيتشيه".2 أما على مستوى النظم الحديثة: ففي عام 0911م ،وضعت والية أوهايو بالواليات المتحدة األمريكية مشروع قانون يجيز لكل مريض بمرض ال يرجى شفاؤه ،أن يتقدم بطلب الجتماع لجنة مكونة من أربعة أشخاص على األقل لتقرير ما إذا كان من المالئم وضع حد لهذه الحياة أم ال ولكن مجلس النواب والكونجرس رفضا هذا المشروع.3. _1عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون ،المرجع السابق ،ص (.)02(،)01 _2هدى حامد قشقوش ،المرجع السابق ،ص (.)02 _3عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون ،نفس المرجع ،ص (.)02 20.
(25) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. وفي عام 0988م ،كانت روسيا أول دولة أوروبية تصدر قانونا ال يجرام ما يسمى بقتل الرحمة بناء على طلب المريض ،ولكن لم يمض أشهر حتى ألغي هذا القانون آلثاره السلبية. وفي عام 0921م ،تم إنشاء الجمعية األمريكية لقتل الرحمة ،والتي تغير اسمها عام 0911م إلى جمعية "حق اإلنسان في الموت". وفي عام 0921م ،تقدمت إحدى الجمعيات المؤيدة للقتل الرحيم في انجلترا بمشروع قانون يبيحه ولكن رفض. وفي عام 0929م ،أصدر "Hitlerأدولف هتلر" مرسوما ا يسمح بموجبه لألطباء بقتل األشخاص الذين يقرر األطباء أنه غير ممكن عالجهم بعد فحص طبي معمق وقد ترتب على هذا النص في نهاية الحرب العالمية الثانية تصفية 811ألف شخص.1 وفي عام 0911م ،في محكمة تور يرغ األمريكية أدين عدة أطباء بسبب الموت المريح واعتبر كأنه جريمة ضد اإلنسانية ،ووافق البرلمان أوهايو في أمريكا الشمالية على القتل المريح لمن ولد مشوها ا أو يعاني من آالم شديدة.2 وفي 0911م ،صرح "البابا بيوس عشر" الكاثوليكي ،بأن الطبيب ليس ملزما ا أدبيا ا إالا بالوسائل العادية للمحافظة على الحياة والصحة ،والتي ال تتضمن أضراراا بصحة المريض ،ثم عاد وصراح بعد ذلك في عام 0912م بما يستفاد منه موافقته بدافع الشفقة إذ قال :يجوز للطبيب إعطاء المسكنات للمريض المحتضر بعد موافقته بكمية لتخفيف آالم وتعجيالا للموت. _1جابر إسماعيل الجحاحجة ،المرجع السابق ،ص (.)881 _2أحمد محمد خلف المومني ،القتل المريح بين الشريعة والقانون ،المجلة األردنية في الدراسات اإلسالمية ،المجلد الخامس ،العدد(/2أ) ،األردن 8119م ،ص (.)11 21.
(26) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. وأول منظمة للعالج بالمسكنات المؤدية إلى الموت تعود إلى عام 0911في بريطانيا (منطقة ساندر) Cecily çanderفي مستشفى القديس Saint Chriatipha و تطور العالج منذ هذا التاريخ في بريطانيا ،حيث كانت أول دولة اعترفت بالعالج بالمسكنات كاختصاص في الطب.1 وفي عام 0928م ،تأسست جمعية بريطانية لتسيير الموت وتسهيله ،وتقديم المساعدات المادية والنفسية لمن يرغب بالموت.2 وفي عام 0921م ،أوضح استبيان للرأي العام الفرنسي أن %21من الفرنسيين يؤيدون القتل الرحيم ،وبناء على هذا يصبح من حق المريض القيام بما يسمى القتل الرحيم ،استناداا لمبدأ الحرية في الموت مقابل الحق في الحياة ،كما قرر %11منهم رغبتهم في تعديل القانون الجنائي الفرنسي الذي يجرم القتل الرحيم ،وذلك وفقا ا لما عبرت عنه إحدى الجمعيات المسماة "الحق في الموت بكرامة".3 وتقول الدكتورة "هدى قشقوش" عاصرت بنفسي في عام 0921م بفرنسا وألمانيا تزايد اتجاهات الرأي العام لقبول فكرة إباحة القتل شفقة ،والمطالبة بتعديل التشريعات الجنائية للسماح بإباحته ،وانتشار جمعيات المتطوعين الذين يدعمون هذا االتجاه وبالذات في قضية " Daneilaدانياال" تلك الفتاة األلمانية التي تبلغ من العمر 81عاما ا والتي أصيبت في حادث تصادم عام 0922م أدى إلى شلل كلي ،ولم تعد تستطيع تحريك أي جزء من أجزاء جسدها ،وظلت في حالة شلل تام لمدة خمس سنوات وطالبت بحقها في الموت ،و انظم إليها الرأي العام في ألمانيا إلى أن تطوعت. _1أحمد محمد خلف المومني ،المرجع السابق ،ص (.)11 _2عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون ،المرجع السابق ،ص(.)09 _3أحمد بلحاج العربي ،األحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقه اإلسالمي ،مجلة البحوث الفقهية المعاصرة السنة ،00العدد ،18ص (.)81(،)81 22.
(27) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. فتاة مجهولة في منظمة "الموت اإلنساني" وفي تاريخ 82ديسمبر 0922م ساعدتها هذه المتطوعة المجهولة على الموت.1 و أما على صعيد الحوادث الفردية التي تنبع من اجتهادات شخصية: و أول قضية في قتل الرحمة عرضت على القضاء األمريكي ،كانت سنة 0282م وكان الجاني أبا ا أغرق أطفاله الثالثة ليذهبوا حسب اعتقاده إلى الجنة مباشرة. ففي عام 0908م ،قتل أحد وكالء النيابة العامة في فرنسا زوجته المصابة بشلل نصفي ناشئ عن إصابة دماغية في الرأس ) (Hémiplégiqueوعند استفساره صرح أمام المحكمة أنه قام بواجبه تجاه زوجته التي تعاني وذلك لكي يخلصها من آالمها الشديدة والمبرحة. وفي عام 0981م ،قام زوج أمريكي بقتل زوجته بالسم بناء على طلبها وكانت مريضة بمرض مستعصي وغير قابل للشفاء. وفي عام 0981م ،قتلت فتاة فرنسية فتاة تدعى ( ARMINSKAأرمينسكا) خطيبها الذي كان مصاب بالسرطان وأجريت له عملية جراحية ونقل دم ،ولكنه ظل يعاني أالما غير محتملة فتوسل إلى خطيبته ورجاها أن تنهي أالمه فقامت بحقنه بكمية كبيرة من المورفين ثم قتلته بمسدسها.2 وفي عام 0911م ،أجرت نقابة األطباء استفتاء ظهر منه أن % 21من األطباء يمارسون القتل الرحيم ،وذلك لوضع حد لحياة الميئوس من شفائه ،لتخليصه من آالمه المبرحة دون علم المريض أو أسرته.3 _1هدى حامد قشقوش ،المرجع السابق ،ص (.)01(،)02 _2عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون ،المرجع السابق ،ص(.)81 _3عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون ،المرجع السابق ،ص(.)80 23.
(28) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. وفي عام 0912م ،نشر طبيبان أمريكيان مقاالا في مجلة New England ،Of Medcineذكرا فيه أن 12طفالا ماتوا في مؤسسة متخصصة بالعناية باألطفال المولودين حديثاا ،بموجب قرار اتخذه الجهاز الطبي المعالج واآلباء بعدم بذل أي عناية لهؤالء األطفال ،1كما نشر جراح إنجليزي لألمراض العصبية مقاال فيBritish : Médical Journalذكر فيه أنه كلف بمعالجة 21طفال مصابين بورم خلقي متوسط في العمود الفقري ،وشق العمود الفقري ولكنه قرر عدم عالج 81منهم ،فماتوا قبل شهر التاسع من عمرهم.2 وفي الواليات المتحدة األمريكية أثارت قضية عائلة فتاة تدعى "كاترين" الرأي العام األمريكي ،ففي 0911/11/01دخلت هذه الفتاة المستشفى وهي في حالة غيبوبة عميقة ،أي فقدت كل إدراك واتصال بالعالم الخارجي ،ورغم أن خاليا مخها كانت ال تزال حية فاعتبرت في عداد األحياء ،بفضل استخدام أجهزة اإلنعاش الصناعي واستمرت على هذه الحالة عدة شهور ،وعندما تأكد والدها أن حالة ابنته ميئوس منها طلب من األطباء إيقاف هذه األجهزة لوضع حد لحياتها ،غير أن األطباء رفضوا هذا الطلب على أساس أنه يتعارض مع قواعد مهنة الطب ،وألن المريضة تعد في عداء األحياء وفقا للمعيار الحديث لموت خاليا المخ والذي حددته لجنة طبية في جامعة ه ارفارد ،التجأ والد كارين إلى محكمة نيوجيرسي للحصول منها على حكم بوقف هذه األجهزة ،واستند في ذلك إلى ضمانات الدستورية وخاصة الحرية الدينية والحماية التي يقررها الدستور ضد العالج اإلنساني والقاسي كما هو منصوص عليه في التعديل الثامن ،غير أن هذه المحكمة العليا لوالية نيوجيرسي ،أصدرت في. _1أحمد بلحاج العربي ،المرجع السابق ،ص (.)11 _2حومد عبد الوهاب ،المسؤولية الطبية الجزائية ،مجلة الحقوق والشريعة الكويت ،السنة الخامسة ،العدد الثاني الكويت 0920م ،ص (.)012 24.
(29) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. 0911/10/81م قرار اإليقاف بعد ثبت لديها استحالة عودة المريضة للحياة الطبيعية وقد ألف والدا كاترين كتابا عن الحالة المأساوية ألبنتهما ..1 وقد عرضت على القضاء البلجيكي حالة تتلخص وقائعها ،في أن أم رزقت بطفلة مصابة بتشوه فضيع عند والدتها نتيجة لما كانت تتعاطاه األم من أدوية مهدئة لألعصاب أثناء الحمل ،فقام الطبيب البلجيكي كاستور عام 0910بناء على توسالت األم وإلحاحها بقتل الطفلة بالسم ،وصدر حكم بالبراءة استنادا إلى قرار المحلفين الذي جاء باالجتماع أنه غير مذنب ،رغم أن أسباب هذا الحكم لم تكن متناسقة مع أحكام القانون البلجيكي الذي يعاقب على القتل أيا كان الباعث فيه. وفي عام 0990م ،نجد منظمة تطلق على نفسها "منظمة القتل الرحيم" قامت بإنشاء شبكة إعالمية ضخمة تنشر في 1دول و 11والية أمريكية و تقوم هذه الشبكة بدور خطير لتثقيف الناس بأهمية القتل الرحيم من خالل نشر المجالت وأشرطة الحاسب اآللي ،ويوجد هاتف على مدار الساعة للرد على استفسارات المتصلين وللمنظمة موقع على شبكة االنترنيت يزيد عدد زواره على 01ألف زائر. وفي نفس سنة 0990م ،أنشأت جماعة تسمى نفسها "الموت بكرامة" وقامت بعمل استفتاء في والية واشنطن ،وقد كتبت في ورقة االقتراع( :هل توافق على إنهاء حياة المريض الميئوس من شفائه؟). وبناءا على هذا اإلرث التاريخي للمشكلة في الغرب ،وهذه الجهود الكبيرة سابقا ا والحقاا ،والتي ذكرنا بعضها ،فإنها بال شك أثرت تأثيرا كبيرا على الرأي العام الغربي سواء بالتأثير المباشر أو غير المباشر على صناع القرار وواضعي القوانين. _1مروك نصر الدين ،زراعة األعضاء البشرية في القانون الجزائري والشريعة اإلسالمية –دراسة مقارنة ،بحث لنيل شهادة الماجستير في القانون الجنائي والعلوم الجنائية ،الجزائر ،ص (.)801 25.
(30) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. والتأثير على األطباء والمؤسسات الطبية وأفراد المجتمع سواء المرضى ،ذويهم ،أو غيرهم. ولذلك نجد أن الحكومة الهولندية في عام 0999م ،وقد أجازت وأقرت مشروع القتل الرحيم ،والمساعدة على االنتحار حتى بالنسبة لألطفال ما فوق 08سنة. ورغم عدم وجود إحصائية سنوية في هولندا توضح عدد الحاالت التي تم قتلها بدافع الرحمة ،فإن التقديرات تختلف من ألفي حالة سنويا ا في أقل تقدير إلى عشرة آالف حالة سنويا ا في أكمل تقدير.1 وفي بلجيكا تم تسجيل 812حالة للقتل بدافع الرحمة خالل سنة واحدة ،وقد زاد عدد الوافدين إلى سويسرا بحثا ا عن المساعدة ،إلنهاء حياتهم ،من 2أشخاص في عام 8111م إلى 11شخصا ا في عام 8118م. وتشير اإلحصائيات في سويسرا أن هناك ما يقارب 0211حالة يطلبون المساعدة إلنهاء حياتهم سنويا ،ويرفض ما يقرب من ثلثيهم ،ونصف الذين يقبلون عادة ما يموتون ألسباب أخرى ،والبقية يقدرون بـ 211شخص هؤالء تتم مساعدتهم إلنهاء حياتهم. وفي عام 8110م ،قامت ممرضة سويسرية وتحت ذريعة الرحمة والشفقة بقتل 82مسنا ا يقيمون في عدة دور للعجزة. ولم يقف الغرب عند اقتصار القتل الرحيم على أصحاب األمراض العضوية الميئوس من شفائها ،بل ازداد األمر اتساعا ا وبعداا عندما أضيف إلى ذلك أنه من الممكن تطبيق القتل الرحيم على الذين يعانون من أمراض نفسية ،كما طالب طبيب نفسي بريطاني في المجلة الطبية البريطانية بالسماح بالقتل بدافع الرحمة لمن يعاني من _1البار محمد بن علي ،المرجع السابق ،ص(.)11 26.
(31) ماهيـة القتل الرحيـــم. الفصل األول. أمراض نفسية مزمنة ال يمكن الشفاء منها ،بل زاد األمر واتسع حتى جاءت المطالبة بتطبيق القتل الرحيم على كل من يعاني من ظروف معيشية وحياتية صعبة ككبار السن الذين يعانون من أمراض متعددة ،وال يستطيعون مساعدة أنفسهم في قضاء حاجاتهم كالبول ،مما يكلف األسرة عبئا ا وجهداا كبيرين ،فلذا من حق األسرة أن تطلب إنهاء حياته بما يسمى (الموت الرحيم).1 و بهذا نجد أن العالم في مواجهة خطر جسيم ال يقيم لإلنسان احترام بمجرد أنه أصابه مرض ،أو أصبح غير قادر على العمل ،فلهذا يرون أنه ما دام غير قادر على اإلنتاج والعمل ثم أن عالجه يكلف أهله وذويه ومجتمعه تكاليف باهظة ،فإنه من حق األهل والمجتمع والدولة التخلص من هذا العمل الثقيل ،وهذه نظرة قاصرة ومادية جشعة لإلنسان ،وهي أنه ال بقاء إال لألقوى واألصلح. أما في العالم العربي واإلسالمي فلم تصل المشكلة لهذا الحد،ألن ديننا وتاريخنا وتراثنا اإلسالمي يضع اإلنسان موضع التقدير واالحترام كيف ال ،ونحن نؤمن ونسمع قوله تعالى {:ولق ْد ك ّر ْمنا بنِي آدم وحم ْلناهُ ْم فِي الب ِّر والب ْحر ورز ْقناهُم ضلناهُم على كثِير م ّمن خل ْقنا تفضيالً } سورة اإلسراء.2 ت وف ّ من الطّيبا ِ ولكن هناك مخاوف كبيرة من التأثر بالمجتمعات الغربية ،كما هي عادة العرب والمسلمين في قرون االنحطاط والتبعية ،فكلما نعق ناعق في بالد الغرب وجدنا له صدى في بالد اإلسالم فكيف إذا كان الناعق على شكل قوانين ومنظمات ،ورأي عام غربي يزداد يوما ا بعد يوم ،ولهذا وجدنا في بعض القوانين العربية إشارات لمثل هذا القتل بل ،وجعلت أحكامها مخففة عليه ،كما في (قانون العقوبات السوري في المادة )122و(قانون العقوبات اللبناني المادة )118وغيرها ،فقامت بتخفيف العقوبة فيها. _1البار محمد بن علي ،المرجع السابق ،ص (.)22( ،)28 _2سورة اإلسراء ،اآلية .11 27.
Documents relatifs
Trastuzumab in combination with chemotherapy versus chemotherapy alone for treatment of HER2-positive advanced gastric or gastro-oesophageal junction cancer (ToGA): a phase
Adding the confirmed ENRIA MSPs increased the amount of strains identi fied with high con fidence to 4718 (74.8%) and decreased the number of strains identi fied with low confidence
يعمل المغرب دوما على تشجيع الحوار بين األديان السماوية نظرا لما يلعبه من دور أساسي في الحفاظ على التعايش السلمي* أكتبي موضوعا مقاليا توضحي فيه :
ﺔﻤﺘﺎﺨ : ﺭﻭﻀﺤ ﻲﻓ ﺙﺤﺒﻟﺍ ﺍﺫﻫ ﻥﻤ ﺹﻠﺨﻨ ﻡﻴﺩﻘﻟﺍ ﻲﺒﺭﻌﻟﺍ ﺭﻌﺸﻟﺍ ﻲﻓ ﻡﻠﻌﻟﺍ ﻥﺎﻜﻤﻟﺍ. ﻡﻭﻠﻌﻤ ﻲﻓﺍﺭﻐﺠ ﺯﻴﺤ ﻰﻠﻋ لﻴﺤﺘ ﻡﻼﻋﺃ ﺔﻨﻜﻤﺄﺒ ﺕﺎﻓﻭﺼﻭﻤﻭ ﺙﺍﺩﺤﺃ ﻁﺎﺒﺘﺭﺍ ﻰﻟﺇ
Dans ce contexte, noter bien que la réponse de vitesse pour le test 1 (ligne rouge Figure 3.17.a) est presque indistinguable par rapport la réponse de vitesse pour le test
Association of pregnancy per artificial insemination with gonadotropin-releasing hormone and human chorionic gonadotropin administered during the luteal phase after
19.4% 22.6% 19.4% 0.0% 5.0% 10.0% 15.0% 20.0% 25.0% 30.0% 35.0% Reqmts definition issues Govt-prime interactn Program- to-program interactns Causes % of Engineering Changes..
Christophe Bisière, University Toulouse Capitole, TSE and TSM-R (France) Matthieu Bouvard, University Toulouse Capitole, TSE and TSM-R (France) Quentin Bramas, ICUBE, University