• Aucun résultat trouvé

القتل الرحيم بين التجريم و الإباحة

N/A
N/A
Protected

Academic year: 2021

Partager "القتل الرحيم بين التجريم و الإباحة"

Copied!
113
0
0

Texte intégral

(1)‫وزارة التعليم العايل والبحث العلمي‬ ‫جـ ـام ـ ـ ـعة عبد احلميد ابن باديس‬ ‫كلـ ـية احل ـ ـ ـ ـقوق والعلـ ـ ـ ـوم السـياس ـ ـ ـية‬ ‫‪ -‬مستغان ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـم ‪-‬‬. ‫القتل الرحيم بين التحريم واإلباحة‬ ‫مذكرة تخرج لنيل شهادة الماستر حقوق تخصص علم اإلجرام و العلوم الجنائية‬. ‫إعداد الطالبة‪:‬‬. ‫إشراف ألاستاذ‪:‬‬. ‫زبار فاطمة الزهراء‬. ‫عبد الالوي جواد‬. ‫جلنة املناقشة‪:‬‬ ‫‬‫‬‫‬‫السنة اجلامعية‪3104 – 3102 :‬‬.

(2) ‫بسم اهلل الرحمن الرحيم‬. ‫ِ‬ ‫قال تعالى‪ِ { :‬م ْن أ ْ ِ‬ ‫يل أ ََّن ُه َمن قَتَ َل‬ ‫سَرِائ َ‬ ‫َج ِل َذل َك َكتَ ْب َنا َع َلى َبني إِ ْ‬ ‫ِ‬ ‫س أَو َفس ٍاد ِ‬ ‫ض َف َكأ ََّنما َقتَ َل َّ‬ ‫ِ‬ ‫يعا‬ ‫َر‬ ‫أل‬ ‫ا‬ ‫ي‬ ‫ف‬ ‫اس َجم ً‬ ‫الن َ‬ ‫سا ِب َغ ْي ِر َن ْف ٍ ْ َ‬ ‫َن ْف ً‬ ‫ْ‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫َح َيا َّ‬ ‫سلُ َنا‬ ‫َح َي َ‬ ‫اها فَ َكأ ََّن َما أ ْ‬ ‫َو َم ْن أ ْ‬ ‫يعا َوَل َق ْد َجاء تْ ُه ْم ُر ُ‬ ‫اس َجم ً‬ ‫الن َ‬ ‫ِبالبي َن ِ‬ ‫ير م ْن ُهم َب ْع َد َذِل َك ِفي األ َْر ِ‬ ‫ون }‬ ‫ات ثَُّم إِ َّن َك ِث ًا‬ ‫س ِرفُ َ‬ ‫َ‬ ‫ض لَ ُم ْ‬ ‫المائدة‪ ،‬اآلية ‪.23‬‬.

(3) ‫أتقدم بإهداء ثواب هذا العمل وهذا الجهد المتواضع إلى والدي‬ ‫و ذلك برا ووفاءا له‪ ،‬رحمه اهلل و أسكنه فساح جنانه‪.‬‬ ‫كما أقدم هذا الجهد المتواضع لمقام والدتي حفظها اهلل وأمدها بصحة‬ ‫طيبة سائل المولى أن يرزقنا برها وأن يختم لنا ولها بخير‪.‬‬ ‫إلى إخوتي أميرة‪ ،‬أسماء‪ ،‬محمد رضا‪.‬‬ ‫إلى أصدقائي سارة‪ ،‬لطيفة‪ ،‬أمال‪ ،‬أبو بكر الصديق‪ ،‬أمين‪ ،‬و كل أقاربي‬ ‫وزملئي داخل و خارج جامعة عبد الحميد ابن باديس‪.‬‬ ‫و إلى كل من كان له الفضل في هذا المقام‪.‬‬.

(4) ‫أتقدم بالشكر و التقدير إلى الذين حملوا أقدس رسالة في الحياة‬ ‫إلى الذين قيل فيهم كاد المعلم أن يكون رسوال‬ ‫إلى جميع أساتذتي األفاضل‪ ،‬وأخص بالذكر‬ ‫الدكتور عبد اللوي جواد‬ ‫الذي كان له الفضل في هذه الثمرة العلمية‪ ،‬فكان خير معين لي‬ ‫فأسأل اهلل أن يكون ذلك كله في ميزان حسناته‪.‬‬ ‫كما أتقدم أيضا بباقات من الشكر إلى مثلي األعلى األستاذ زبار الطيب‪.‬‬ ‫وإلى كل من ساهم في بناء هذا العمل‪ ،‬وأخص منهم‪ :‬زراق حسين‪.‬‬ ‫فجزاهم اهلل كل خير‪ ،‬وتقبل منهم صالح عملهم‪.‬‬.

(5) ‫مقدمــــــــة‬. ‫الحمد هلل الذي خلق اإلنسان وجعل الموت والحياة ابتالء لإلنسان‪ ،‬يختبر بها مدى‬ ‫إيمانه وتأثير ذلك‪ ،‬على عمله الذي سيحاسب عليه بعد موته الموتة األولى‪ ،‬قال هللا سبحانه‬ ‫سنُ َع َم اًل َو ُه َو ا ْل َع ِزي ُز ا ْل َغفُو ُر»‬ ‫وتعالى‪« :‬الَّ ِذي َخلَ َ‬ ‫ق ا ْل َم ْوتَ َوا ْل َحيَاةَ لِيَ ْبلُ َو ُك ْم أَ ُّي ُك ْم أَ ْح َ‬. ‫‪1‬‬. ‫سورة الملك‪.‬‬ ‫كما قال هللا تعالى‪ ،‬بسم هللا الرحمن الرحيم‪ « :‬إِ ْذ قَا َل َربُّكَ لِ ْل َمًلَئِ َك ِة إِنِّي َجا ِع ٌل فِي‬ ‫سبِّ ُح بِ َح ْم ِد َك‬ ‫س ُد فِي َها َويَ ْ‬ ‫سفِ ُك ال ِّد َماء َونَ ْحنُ نُ َ‬ ‫ض َخلِيفَةا قَالُو ْا أَت َْج َع ُل فِي َها َمن يُ ْف ِ‬ ‫األَ ْر ِ‬ ‫ِّس لَ َك قَا َل إِنِّي أَ ْعلَ ُم َما الَ تَ ْعلَ ُمونَ »‪ 2‬سورة البقرة‪.‬‬ ‫َونُقَد ُ‬ ‫س َرائِي َل‬ ‫وقال عز وجل‪ ،‬بسم هللا الرحمن الرحيم‪ِ « :‬منْ أَ ْج ِل َذلِكَ َكتَ ْبنَا َعلَى بَنِي إِ ْ‬ ‫اس َج ِمي اعا َو َمنْ أَ ْحيَاهَا‬ ‫ض فَ َكأَنَّ َما قَتَ َل النَّ َ‬ ‫س أَ ْو فَ َ‬ ‫أَنَّهُ َمن قَتَ َل نَ ْف ا‬ ‫سا بِ َغ ْي ِر نَ ْف ٍ‬ ‫سا ٍد فِي األَ ْر ِ‬ ‫ت ثُ َّم إِنَّ َكثِي ارا ِّم ْنهُم بَ ْع َد َذلِكَ فِي‬ ‫اس َج ِمي اعا َو َلقَ ْد َجاء ْتهُ ْم ُر ُ‬ ‫فَ َكأَنَّ َما أَ ْحيَا النَّ َ‬ ‫سلُنَا ِبالبَيِّنَا ِ‬ ‫س ِرفُونَ »‪ 3‬سورة المائدة‪.‬‬ ‫ض لَ ُم ْ‬ ‫األَ ْر ِ‬ ‫من خالل هذا السياق القرآني يتضح لنا أن هللا سبحانه وتعالى‪ ،‬كرّم اإلنسان أحسن‬ ‫تكريم حيث س ّخر له ما في السموات وما في األرض جميعا‪ ،‬واسجد له مالئكته وخصه‬ ‫بالعقل‪ ،‬وهو الميزة التي ف ّ‬ ‫ضله بها على باقي مخلوقاته‪ ،‬وزوده بمختلف القوى والمواهب‬ ‫ليصل إلى أرقى الدرجات من الكمال واالرتقاء المادي والروحي لعل تحقيق هذه الغاية‬ ‫هو في حقيقة األمر مرهون بمدى توافر عناصر النمو وأخذ الحقوق كاملة‪ ،‬وفي مقدمة‬ ‫هذه الحقوق التي تضمنها الدين اإلسالمي وأعطى لها حماية كبيرة هي‪ :‬الحق في الحياة‪.‬‬ ‫‪ _1‬سورة الملك اآلية ‪.20‬‬ ‫‪ _2‬سورة البقرة اآلية ‪.02‬‬ ‫‪ _3‬سورة المائدة اآلية ‪.00‬‬ ‫‪1‬‬.

(6) ‫مقدمــــــــة‬ ‫وفي هذا الصدد خطب رسول هللا صلى هللا عليه وسلّم في حجة الوداع فقال‪:‬‬ ‫" أيها الناس‪ ،‬إن دمائكم‪ ،‬وأموالكم عليكم حرام‪ ،‬كحرمة يومكم هذا‪ ،‬في شهركم هذا في‬ ‫بلدكم هذا‪ ،‬أال هل بلغت‪ ،‬اللهم فاشهد‪ ،‬كل المسلم على المسلم حرام‪ ،‬دمه‪ ،‬وماله‬ ‫وعرضه"رواه البخاري ومسلم‪.‬‬ ‫وتجدر اإلشارة أنه لعظم أمر الدماء‪ ،‬وخطورتها‪ ،‬كانت هي أول ما يقضي فيها‬ ‫يوم القيامة بين العباد كما رواه اإلمام مسلم‪ ،‬وقد شرّع هللا سبحانه وتعالى القصاص انتقاما‬ ‫من القاتل وجعله موعظة لغيره وحفاظا على المجتمع من الجرائم الخطيرة التي تزعزع‬ ‫ب لَ َعلَّ ُك ْم‬ ‫كيانه واستقراره‪ ،‬فقال تبارك وتعالى‪َ «:‬ولَ ُك ْم فِي ا ْلقِ َ‬ ‫ص َحيَاةٌ يَ ْا أُولِ ْي األَ ْلبَا ِ‬ ‫صا ِ‬ ‫تَتَّقُونَ »‪ 1‬سورة البقرة‪.‬‬ ‫وتأيدت هذه اآلية بما ورد في سورة المائدة‪ ،‬قال تعالى‪َ «:‬و َكتَ ْبنَا َعلَ ْي ِه ْم فِي َها أَنَّ‬ ‫وح‬ ‫سنَّ بِال ِّ‬ ‫نف َواألُ ُذنَ بِاألُ ُذ ِن َوال ِّ‬ ‫سنِّ َوا ْل ُج ُر َ‬ ‫النَّ ْف َ‬ ‫س َوا ْل َعيْنَ بِا ْل َع ْي ِن َواألَنفَ بِاألَ ِ‬ ‫س بِالنَّ ْف ِ‬ ‫اص»‪ 2‬سورة المائدة‪.‬‬ ‫ص ٌ‬ ‫قِ َ‬ ‫بناءاً على ما سبق‪ ،‬فإن جريمة القتل وفقا للشريعة اإلسالمية تدخل ضمن جرائم‬ ‫الحدود‪ ،‬وهي الجرائم المعاقب عليها بالحد‪ ،‬والحد هو العقوبة المقدرة حقا هلل تعالى في‬ ‫مكافحة األفعال الخطيرة بالمقومات األصلية لكل مجتمع مع العلم أن فقهاء الشريعة‬ ‫اإلسالمية قد وفقوا كامل التوفيق حينما ع ّرفوا الجريمة تعريفا وافيا بأنها محظورات‬ ‫شرعية زجر هللا عنها بحد أو تعزير‪.‬‬ ‫والمحظورات هي إما إتيان فعل منهي عنه‪ ،‬أو ترك فعل مأمور به‪ ،‬وقد وصفت‬ ‫المحظورات بأنها شرعية إشارة إلى انه يجب في الجريمة أن يحظرها الشارع بنص بناءا‬ ‫على ما وضعته الشريعة من أسس وقواعد‪ ،‬ومن هذا المنطلق يبدو لنا التباين والفرق‬ ‫الشاسع بين السياسة الجزائية اإلسالمية والتشريع الجنائي الوضعي‪ ،‬هذا األخير الذي‬ ‫‪ _1‬سورة البقرة اآلية ‪.971‬‬ ‫‪ _2‬سورة المائدة اآلية ‪.54‬‬ ‫‪2‬‬.

(7) ‫مقدمــــــــة‬ ‫يضبط مفهوم الجريمة بأنها كل سلوك يمكن إسناده إلى فاعله يضر أو يهدد بخطر‬ ‫لمصلحة محمية بجزاء جنائي‪.‬‬ ‫ونالحظ في هذا المجال أن معظم التشريعات العقابية الحديثة قد اعتمدت في‬ ‫تقسيمها القانوني للجرائم على معيار جسامة الفعل‪ ،‬حيث نصت المادة ‪ 07‬من قانون‬ ‫العقوبات الجزائري على أنها تقسم إلى جنايات وجنح ومخالفات وتطبق عليها العقوبات‬ ‫المقررة للجنايات أو الجنح أو المخالفات‪ ،1‬مع اإلشارة إلى أن معظم الدول قد نهجت في‬ ‫سن قوانينها نهج المتشدد والصارم في معاقبة كل من قام بانتهاك حق الحياة حسب درجة‬ ‫الخطورة الواقعة عليه‪ ،‬فقد يكون الحكم على الجاني قاسيا وذلك القتران فعله ببعض‬ ‫الظروف المشددة التي تزيد من جسامة العقوبة هذا من جهة‪ ،‬ومن جهة أخرى قد يصاحب‬ ‫الجريمة وجود عذر أو ظرف مخفف قد يؤدي إلى تخفيض العقوبة لصالح المتهم وذلك‬ ‫لوجود حكمة أخذها المشرع بعين االعتبار‪.‬‬ ‫غير انه ما يلفت انتباهنا هو وجود بعض الحاالت التي كانت محل جدل بين‬ ‫مختلف فقهاء القانون وعلماء الطب‪ ،‬والتي تتمثل في القتل الرحيم الذي كان نتيجة حتمية‬ ‫للتطورات الطبية واالكتشافات البيولوجية وغيرها من المستجدات التي كان لها كامل‬ ‫األثر والفعالية في تغيير المفاهيم والقواعد األصولية المستقر عليها في علمي الطب‬ ‫والقانون‪ ،‬حيث انقسمت السياسة الجزائية إلى ثالث أقسام‪:‬‬ ‫قسم مؤيد لهذا النوع من القتل لوجود مبررات كزرع األعضاء و اإلشفاق على‬ ‫المريض‪ .‬وقسم رافض له‪ ،‬لكونه يمس بأقدس حق لإلنسان و هو الحق في الحياة‪.‬‬ ‫و باإلضافة إلى هذين القسمين هناك قسم يمنع هذا النوع من القتل و لكنه يأخذ بفكرة‬ ‫تخفيف العقوبة‪.‬‬. ‫‪_1‬األمر رقم ‪ 946_66‬المؤرخ في ‪ 8‬جوان سنة ‪9166‬م‪ ،‬الذي يتضمن قانون العقوبات الجزائري‪ ،‬المعدل والمتمم في‬ ‫الجريدة الرسمية رقم ‪ 05‬سنة ‪ ،0229‬المادة ‪.07‬‬ ‫‪3‬‬.

(8) ‫مقدمــــــــة‬ ‫موضوع القتل الرحيم يحظى بأهمية قصوى في يومنا هذا‪ ،‬وذلك نظرا للتطورات‬ ‫الطبية والعلمية والسعي الحثيث وراء االكتشافات‪ ،‬ونظرا لتعقد المجتمعات ظهرت فيها‬ ‫أمراض مزمنة وأخرى قاتلة مثل ‪:‬السيدا‪ ،‬السرطان‪ ،‬الكوليرا‪ ،‬الطاعون واالنتحار‬ ‫بمختلف صوره وعجز الطب عن شفائها‪ ،‬فبدأ التسهيل وعدم تجريم عملية القتل الرحيم‬ ‫أي قتل اإلنسان الميئوس من شفائه رحمة به من طرف بعض األطباء أو األشخاص‬ ‫المساعدين على هذا القتل‪.‬‬ ‫فسعيا منَّا لنضع بعض اللمسات على هذا الموضوع وتبيان موقف الدين والقوانين‬ ‫التي تمنع وتجرم هذا القتل‪ ،‬وبعض القوانين التي تبيحه‪ .‬وهناك أسباب ودوافع أدت بنا‬ ‫إلى اختيار هذا الموضوع منها ما هو موضوعي ومنها ما هو ذاتي فاألسباب الموضوعية‬ ‫تتمثل فيما يلي‪:‬‬ ‫‪ .9‬عدم التطرق الدفعات األخرى لهذا الموضوع‪.‬‬ ‫‪ .0‬النقص الكبير في مكتباتنا لمثل هذه المواضيع‪.‬‬ ‫‪ .0‬إظهار حقيقة القتل الرحيم و اآلراء المؤيدة و المناهضة له‪.‬‬ ‫‪ .5‬حاجة العاملين في المجال الطبي‪ ،‬والمرضى وأوليائهم‪ ،‬وواضعي‬ ‫القوانين واألنظمة الطبية وغيرها‪ ،‬إلى معرفة الحكم الشرعي المعتمد على الدليل‬ ‫والتأصيل العلمي‪.‬‬ ‫أما األسباب الذاتية فأهمها ما يلي‪:‬‬ ‫‪ .9‬منع أي تالعب بالروح اإلنسانية التي قدستها جل الديانات السماوية‪.‬‬ ‫‪ .0‬تقديم األمل للمرضى الميئوس من شفائهم وأن ال نساعد على قتلهم‪.‬‬ ‫إال أننا نجد القتل الرحيم هو بفعل فاعل من أجل إنهاء آالم ذلك الشخص الذي ال‬ ‫يرجى شفاؤه‪ ،‬فيقوم شخص أخر بقتله رحمة به‪ ،‬وفي الحقيقة ال رحمة بالقتل‪.‬‬. ‫‪4‬‬.

(9) ‫مقدمــــــــة‬ ‫اعتمدنا في منهج بحثنا هذا على المنهج االستقرائي المقارن الذي وجدناه مالئما‬ ‫لهذا الموضوع‪ ،‬وذلك لمناسبته مع طبيعة الدراسة التي تعتمد عل األدلة الشرعية والقواعد‬ ‫الفقهية وأقوال أهل العلم مع مقارنته بالقوانين الوضعية‪.‬‬ ‫تتمثل الحدود الموضوعية لهذه الدراسة في التعرف على مفهوم القتل الرحيم‬ ‫وصوره وأنواعه‪ ،‬ومعرفة الحكم الشرعي‪ ،‬والمسؤولية الجنائية المترتبة عليه مقارنا‬ ‫بالشريعة اإلسالمية و الدين المسيحي والقوانين الوضعية‪.‬‬ ‫ومن المناسب أيضا ً أن أبدأ بتعريف أهم مصطلحات هذا الموضوع والمتمثلة في‪:‬‬ ‫أوال‪ :‬القتل(القتل بدافع الرحمة)‪ :‬القتــل لغة‪ :‬قال ابن فارس‪ ":‬القاف والتاء والالم‬ ‫أصل صحيح‪ ،‬يدل على إذالل وإماتة" قتله إذا أماته بضرب‪ ،‬أو حجر أو سم أو علة‬ ‫والمنية قاتلة‪ 1‬وقتله يقتله قتال‪ ،‬والقتلة بالكسر الهيئة‪ ،‬يقال قتلة سوء‪ ،‬والقتلة بالفتح المرة‪.‬‬ ‫إزهاق الروح‪ ،‬نقول قتله أي أزهقت روحه فهو قتيل‪ ،‬والمرأة قتيل أيضا إذا كان‬ ‫وصفا فإذا حذف الموصوف جعل اسما وأدخلت عليه الهاء نقول‪ :‬رأيت قتيلة بني فالن‪.‬‬ ‫أما اصطالحــا‪ :‬عرّف القتل بعدة تعريفات منها‪:‬‬ ‫_ فعل يحصل به إزهاق الروح‪.2‬‬ ‫_ فعل من العباد تزول به الحياة‪.‬‬ ‫و قيل هو تسهيل موت الشخص المريض الميئوس من شفائه‪ ،‬بناءا على طلب ملح‬ ‫منه مقدم للطبيب المعالج‪.3‬‬. ‫‪ _1‬ابن فارس‪،‬أحمد بن فارس زكريا‪ ،‬معجم مقاييس اللغة‪ ،‬الطبعة ‪ ،29‬دار الجيل‪ ،‬بيروت ‪9152‬م‪.)46(/4(،‬‬ ‫‪ _2‬جابر إسماعيل الحجاحجة‪ ،‬القتل بدافع الشفقة‪ ،‬المجلة األردنية في الدراسات اإلسالمية‪ ،‬المجلد الخامس العدد(‪/0‬أ)‬ ‫األردن ‪ ،0221‬الصفحة (‪.)005‬‬ ‫‪ _3‬محمد علي البار‪ ،‬أحكام التداوي والحاالت الميئوس منها‪ ،‬ط ‪ ،29‬دار المنارة ‪ ،‬جدة ‪9114‬م‪ ،‬الصفحة (‪.)68‬‬ ‫‪5‬‬.

(10) ‫مقدمــــــــة‬ ‫ويالحظ على التعريفات السابقة للقتل‪ ،‬أن الموت عندهم ال يسمى قتال وال يعد من‬ ‫أنواع القتل‪ ،‬وال يعد القتل قتال إال إذا حصل بفعل آدمي‪.‬‬ ‫ع ّرفت الرحمة لغة‪ :‬مصدر رح َم وجمعها ر َح َما َء‪ ،‬وتأتي بمعا ٍن عدة منها‪:1‬‬ ‫اس َر ْح َمةا ِمنْ بَ ْع ِد‬ ‫‪ _9‬الخير والنعمة والرخاء‪ ،‬ومنه قوله تعالى‪{ :‬وإِ َذا أَ َذ ْقنَا النَّ َ‬ ‫س ْتهُ ْم} أي إذا أذقنا الناس رخاء وخيراً ونعمةً بعد شد ٍة وجدب‪.2‬‬ ‫ض َّرا َء َم َّ‬ ‫َ‬ ‫‪ _0‬ال ِّرقة والتعطّف والرأفة‪ ،‬ومنه قولهم‪ :‬تراحم القوم إذا َرح َم بعضهم بعضا ً‪.‬‬ ‫كما ع ِّرفت الرحمة اصطالحا ً بعدة تعريفات‪ ،‬منها‪:‬‬ ‫‪ _9‬الرحمة‪ :‬إرادة إيصال الخير‪.‬‬ ‫‪ _0‬الرحمة‪ :‬صفة تقتضي إيصال المنافع والخير‪.‬‬ ‫‪ _0‬الرحمة‪ :‬حالة وجدانية تعرض غالبا ً لمن به رقّة القلب وتكون مبدءاً لالنعطاف‬ ‫النفساني الذي هو مبدءاً لإلحسان‪.‬‬ ‫التعريف اإلجرائي‪ :‬هو تسهيل موت النفس البشرية ومن في حكمها بدافع الرحمة‬ ‫والشفقة من الطبيب أو غيره سواء كان بطلب من المريض أو ذويه أو لدونهما‪.‬‬ ‫وبهذا يكون التعريف شامال لحقيقة القتل الرحيم وصوره المختلفة سواء ما وقع‬ ‫على نفس مكتملة النمو أو على الجنين غير مكتمل النمو‪ ،‬وسواء كان الطبيب أو غيره‬ ‫وسواء كان برضا من المريض‪ ،‬أو ذويه‪ ،‬أو بدون رضا‪.‬‬. ‫‪ _1‬ابن منظور‪ ،‬لسان العرب‪ ،‬ط‪ ،9‬دار الفكر‪ ،‬بيروت‪ ،‬لبنان ‪9112‬م‪.)009/90( ،‬‬ ‫‪ _2‬ابن فارس‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)556‬‬ ‫‪6‬‬.

(11) ‫مقدمــــــــة‬ ‫ثانيا ً‪ :‬النـــوازل لغــــة‪ :‬جمع نازلة‪ ،‬وهي المصيبة الشديدة من الشدائد الدهر تنزل‬ ‫بالناس‪ 1‬يقال نزلت بهم نازل‪ ،‬ونائبة‪ ،‬وحادثة‪ ،‬ثم آبدة‪ ،‬وداهية وباقعة ثم بائقة وحاطمة‬ ‫وفاقرة ثم غاشية وواقعة وقارعة ثم حاقة وطامة وصاخة‪ ،‬وهذا التقسيم اللغوي باعتباره‬ ‫درجة ومرتبة شدة هذه النازلة بالناس‪ ،‬وتجمع على نوازل ونازالت‪.‬‬ ‫اصطالحا‪ :‬تطلق كلمة النـوازل بوجه عام على المسائل والوقائع التي تستدعي‬ ‫حكما شرعيا والنوازل بهذا المعنى تشمل جميع الحوادث التي تحتاج لفتوى‪ ،‬أو اجتهاد‬ ‫ليتبين حكمها الشرعي سواء كانت هذه الحوادث متكررة أم نادرة الحدوث‪ ،‬وسواء كانت‬ ‫قديمة أم جديدة‪ ،‬غير أن الذي يتبادر إلى الذهن في عصرنا الحاضر من إطالق مصطلح‬ ‫ال نازلة انصرافه إلى واقعة أو حادثة جديدة لم تعرف في السابق بالشكل الذي حدثت فيه‬ ‫اآلن ومن مرادفات كلمة النوازل الحوادث‪ ،‬الوقائع ‪ ،‬المسائل والقضايا المستجدة‪.2‬‬ ‫ثالثا‪ :‬اإلنعــــاش لغة‪ :‬يقال نعشه هللا ينعشه نعشا وأنعشه‪ :‬رفعه‪ .‬وانتعش‪ :‬ارتفع‬ ‫واالنتعاش أي رفع الرأس‪.‬‬ ‫قال ابن السكيت‪ :‬نعشه هللا أي رفعه‪ ،‬وال يقال ‪ :‬أنعشه وهو من كالم العامة‪.3‬‬ ‫المراد باإلنعاش عند األطباء‪ :‬المعالجة المكثفة التي يقوم بها طبيب أو مجوعة من‬ ‫األطباء و مساعديهم لمساعدة األجهزة الحياتية حتى تقوم بوظائفها‪ ،‬أو لتعويض بعض‬ ‫األجهزة المعطلة قصد الوصول إلى تفاعل منسجم بينها‪.‬‬ ‫واألجهزة الحياتية األساسية هي‪ :‬المخ والقلب والكلى والدم للتوازن بين الماء‬ ‫واألمالح‪.4‬‬ ‫‪ _1‬القحطاني‪ ،‬مسفر بن علي‪ ،‬منهج استنباط أحكام النوازل الفقهية المعاصرة‪ ،‬ط‪ ،9‬دار األندلس الخضراء‪9505( ،‬ه)‬ ‫ص (‪.)12_87‬‬ ‫‪ _2‬القحطاني‪ ،‬نفس المرجع‪ ،‬ص (‪.)10_10‬‬ ‫‪ _3‬ابن منظور‪ ،‬المرجع السابق‪.)044/6( ،‬‬ ‫‪ _4‬ندى محمد نعيم الدقر‪ ،‬موت الدماغ بين الطب و اإلسالم‪ ،‬دار الفكر‪ ،‬ط‪ ،9‬دمشق‪ ،‬سوريا‪ ،0220 ،‬ص(‪.)090‬‬ ‫‪7‬‬.

(12) ‫مقدمــــــــة‬ ‫رابعا ً الموت الدماغي‪ :‬يعرف األطباء الموت بأنه ‪ ":‬توقف القلب‪ ،‬والدورة‬ ‫الدموية والتنفس توقفا ال رجعة فيه"‪.‬‬ ‫وموت الدماغ هو‪ :‬تلف دائم في الدماغ يؤدي إلى توقف دائم لجميع وظائف بما‬ ‫في ذلك جذع الدماغ‪.1‬‬ ‫ومكونات الدماغ هي‪ :‬المخ‪ ،‬المخيخ‪ ،‬جذع الدماغ‪.‬‬ ‫خامسا ً اإلجهـــاض لغة‪ :‬ورد اإلجهاض في اللغة من الفعل جهض‪ ،‬حيث يقول‬ ‫العرب أجهضت الناقة إجهاضا ً‪ ،‬وهي مجهض أي ألقت ولدها لغير تمام‪ ،‬وقد يرد‬ ‫اإلجهاض بمعنى االمالص أو الطرح‪ ،2‬أي إلقاء الجنين إذا لم يستبين خلقه قبل الوقت‪.‬‬ ‫كما يرد اإلجهاض باسم األسالب فيقال أسلبت الحامل‪ ،‬أي أسقطت ويقال امرأة‬ ‫سلوب إذا مات ولدها أو ألقته من رحمها بغير تمام‪.3‬‬ ‫اإلجهاض اصطالحا‪ :‬هو إلقاء الحمل ناقص الخلق أو ناقص المدة‪ ،‬ويسمى أيضا‬ ‫اإلسقاط والطرح واإلمالص‪.4‬‬ ‫سادسا ً حق اإلنسان في الحياة‪ :‬الحياة هي وصف للجسم الذي يباشر مجموعة من‬ ‫الوظائف العضوية والحركة الذهنية على النحو الذي تحدده قوانين الطبيعة‪.‬‬. ‫‪ _1‬ندى محمد نعيم الدقر‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)54‬‬ ‫‪_2‬عمر بن محمد إبراهيم غانم‪ ،‬أحكام الجنين في الفقه اإلسالمي‪ ،‬ط ‪ ،9‬دار األندلس الخضراء للنشر والتوزيع جدة‬ ‫‪0229‬م‪ ،‬ص (‪.)999‬‬ ‫‪_3‬كشيدة الطاهر‪ ،‬المسؤولية الجزائية للطبيب‪ ،‬مذكرة لنيل شهادة الماجستير في القانون الطبي‪ ،‬كلية الحقوق والعلوم‬ ‫السياسية‪ ،‬تلمسان‪ ،0299 ،‬ص (‪.)924‬‬ ‫‪ _4‬زهير أحمد السباعي‪ ،‬محمد علي البار‪ ،‬الطبيب أدبه و فقهه‪ ،‬دار القلم (دمشق)‪ ،‬ال ّدار الشامية (بيروت)‪ ،‬ط‪9‬‬ ‫‪9110‬م‪ ،‬ص (‪.)060‬‬ ‫‪8‬‬.

(13) ‫مقدمــــــــة‬ ‫والحق في الحياة هي المصلحة التي يحميها القانون في أن يظل الجسم الحي مؤديا ً‬ ‫وظائفه األساسية حتى ال تتعطل تعطيال أدبيا ً‪.1‬‬ ‫تهدف الشريعة إلى تحقيق مصالح الناس في اجلهم وعاجلهم‪ ،‬وال يتم ذلك إال‬ ‫بتحقيق مقاصد الشرع وأغراضه‪ ،‬ولع ّل من أهم هذه المقاصد حفظ الضروريات الخمس‬ ‫(الدين والنفس‪ ،‬النسل‪ ،‬المال والعقل)‪.‬‬ ‫وحرمة المساس بحق اإلنسان في الحياة تستند في أساسها إلى القران الكريم‬ ‫ض َب ه‬ ‫والسنّة النبوية‪ ،‬قال تعالى‪َ {:‬و َمن َي ْقتُ ْل ُم ْؤ ِمناا ُّمتَ َع ِّمداا فَ َج َزآ ُؤهُ َج َهنَّ ُم َخالِداا فِي َها َو َغ ِ‬ ‫ّللاُ‬ ‫َعلَ ْي ِه َولَ َعنَهُ َوأَ َع َّد لَهُ َع َذاباا َع ِظي اما} سورة النساء‪.2‬‬ ‫إن اإلسالم درأ عن الحياة االعتداء واالختالل وعبث العابثين‪ ،‬مما يحقق للمجتمع‬ ‫أمنه وسكينته ورخاءه و استقراره‪.‬‬ ‫وهذا القتل قديم قدم الحضارات الغابرة‪ ،‬إال أننا نجده في زمننا هذا‪ ،‬ونظرا‬ ‫للتطورات العلمية االكتشافات الكبيرة‪ .‬فهالة التقديس المصاحبة للموت والحياة لم تعد‬ ‫قائمة عند البعض‪ ،‬حتى بدافع إنساني أصبح الجسد ليس بعيدا عن نطاق التصرف‬ ‫والتجارة وأصبحت الروح محال للمساومة ذلك عن طريق عدة مداخل ومنافذ‪ ،‬فتارة عن‬ ‫طريق زرع األعضاء‪ ،‬وأخرى عن طريق االستنساخ‪ ،‬وتارة لسبب االكتشاف أمام هذا‬ ‫الوضع المتردي‪ ،‬وانطالقا من واقعنا المعاش‪ ،‬يبرز السؤال الرئيسي الذي نسعى للوصول‬ ‫إلى جواب عنه و هو‪:‬‬ ‫_ ما مفهوم القتل الرحيم‪ ،‬وما صوره‪ ،‬وما الحكم الشرعي فيه مقارنا بالقوانين‬ ‫الوضعية وما المسؤولية الجنائية المترتبة على ذلك ؟‬. ‫‪ _1‬جابر إسماعيل الحجاحجة‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)005‬‬ ‫‪ _2‬سورة النساء‪ ،‬اآلية ‪.10‬‬ ‫‪9‬‬.

(14) ‫مقدمــــــــة‬ ‫ولغرض معالجة اإلشكالية المطروحة واإلحاطة بكل جوانب الموضوع تشتق‬ ‫التساؤالت الفرعية التالية‪:‬‬ ‫ما مفهوم مصطلح القتل الرحيم (النشأة‪ ،‬األسباب‪ ،‬األنواع و الصور) وما الرأي‬ ‫الطبي في موضوع القتل الرحيم وما عالقته بأخالقيات المهنة الطبية وما موقف الشرائع‬ ‫السماوية من القتل الرحيم وما موقف القوانين الوضعية من القتل الرحيم ؟‬ ‫وعلى ضوء ما سبق عرضه ارتأينا إلى تقسيم هذه الدراسة من خالل الخطة‬ ‫التالية‪:‬‬ ‫_ الفصل األول‪ :‬ماهية القتل الرحيم‪.‬‬ ‫_ المبحث األول‪ :‬مفهوم القتل الرحيم ونشأته‪.‬‬ ‫_ المبحث الثاني‪ :‬القتل الرحيم بين أسباب اإلباحة وجريمة االنتحار وعالقته‬ ‫بأخالقية مهنة الطب‪.‬‬. ‫_ الفصل الثاني‪ :‬موقف الشرائع السماوية والقوانين الوضعية من القتل الرحيم‪.‬‬ ‫_ المبحث األول‪ :‬التشريعات المؤيدة للقتل الرحيم‪.‬‬ ‫_ المبحث الثاني‪ :‬التشريعات المعارضة للقتل الرحيم‪.‬‬ ‫وفي األخير شفعنا دراستنا بخالصة تناولنا فيها أهم النتائج والتوصيات‬ ‫المستخلصة من البحث‪.‬‬. ‫‪10‬‬.

(15) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫ماهية القتل الرحيم‬ ‫تعتبر مشكلة القتل الرحيم مشكلة إنسانية شغلت الفقه والقضاء على السواء‬ ‫السيما حاليا‪ ،‬وصلب المشكلة يكمن في أن العدوان الواقع في مثل هذا القتل ال ينبعث‬ ‫عن نفس إجرامية وإنما على العكس عن نفس رحيمة تشفق على إنسان كان محال لهذا‬ ‫العدوان‪.‬‬ ‫وفي هذا الصدد يثار التساؤل حول ما إذا كان من الجائز قانونا لطبيب‪ ،‬أو‬ ‫ألي شخص آخر أن يقتل عن قصد مريضا ال يؤمل شفاؤه أو لمساعدته على إنهاء‬ ‫آالمه بعد أن يئس الطب من شفاءه و تركه وآالمه‪ ،‬أو طفالا مشوها ا معاقا رحمة به‬ ‫وشفقة عليه‪.1‬‬ ‫وبناء على التساؤالت السابقة فإننا نحاول من خالل هذا الفصل التعرض إلى‬ ‫تحديد ماهية القتل الرحيم‪ ،‬نشأته‪ ،‬أنواعه‪ ،‬وعالقته بأخالقية مهنة الطب‪.‬‬. ‫‪_1‬أحسن بوسقيعة‪ ،‬الوجيز في القانون الجنائي الخاص‪ ،‬الجزء األول‪ ،‬دار هومة‪ ،‬ط ‪ ،10‬الجزائر ‪8112‬‬ ‫ص(‪.)01‬‬ ‫‪11‬‬.

(16) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫المبحث األول‬ ‫مفهوم القتل الرحيـم و نشأته‬ ‫سوف نتعرض في هذا المبحث‪ ،‬تحديد المقصود بالقتل الرحيم باإلضافة إلى‬ ‫حل بعض المشاكل والتناقضات التي تثيرها هذه التسمية‪ ،‬ثم ننتقل بعدها إلى إلقاء نظرة‬ ‫عن التطور التاريخي لهذا النوع من القتل‪ .‬وفي الختام نتعرض إلى أنوع القتل بدافع‬ ‫الشفقة والتقسيمات التي اعتمدها األطباء والقانونيون على ذلك‪.‬‬ ‫وسنحاول عرضها من خالل المطالب التالية‪:‬‬ ‫المطلب األول‪ :‬تعريف القتل الرحيم‪.‬‬ ‫المطلب الثاني‪ :‬لمحة تاريخية عن القتل الرحيم‪.‬‬ ‫المطلب الثالث‪ :‬أنواع القتل الرحيم وصوره‪.‬‬. ‫المطلب األول‬ ‫تعريف القتل الرحيم‬ ‫إن التسمية األصلية اليونانية القديمة لما يسمى "قتل الرحمة" كانت تتكون من‬ ‫كلمتين هما "‪ "Eu‬ومعناها الرحمة‪ ،‬و"‪ "Thanatos‬ومعناها الموت ولهذه التسمية‬ ‫عدة معان منها موت طيب أو سعيد ‪ A Good Death or Happy Death‬أو قتل‬ ‫الرحمة ‪ Killing Mercy‬أو موت بشرف ‪ Death with Dignity‬أو التخلص‬ ‫السهل من األلم ‪ The Deliberate Easing Of Paine‬أو موت هادئ ‪Peaceful‬‬ ‫‪12‬‬.

(17) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫‪ Death‬أو طريقة التخلص من المعمرين ‪ Elders‬أو المعاقين ‪ Handicappers‬أو‬ ‫قبيحي المنظر ‪ Unsightly‬أو المشوهين ‪.1Malformed‬‬ ‫وتجدر اإلشارة إلى أن التسمية السابقة قد أصبحت في اللغة اإلنجليزية‬ ‫‪ Euthanasia‬وفي اللغة الفرنسية ‪ Euthanasie‬وهي تعني الموت الطيب ‪La‬‬ ‫‪ ،Bonne Mort‬كما تعني موت هادئ بدون ألم وال معاناة ‪Mort Douce Et Sans‬‬ ‫‪.2Souffrance‬‬ ‫ونرى أن تسمية الموت بدافع الشفقة ‪ La mort par pitié‬هي أدقها تعبيرا‬ ‫حيث أن الدافع على إنهاء حياة المريض الميئوس من شفائه هو الشفقة عليه‪ ،‬للحد من‬ ‫آالمه التي ال يحتملها وال يرجى أمل في الشفاء منها‪.‬‬ ‫فمن المعروف أن أشد عقوبة يمكن أن توقع على اإلنسان هي القتل وتستوي‬ ‫في ذلك القوانين الوضيعة والشرائع السماوية ولكن هذا ال يمنع من القول بأن فالسفة‬ ‫اليونان القدماء الذين وضعوا هذا االسم أو وافقوا على وضعه‪ ،‬على األقل قد بذلوا‬ ‫الجهد المعروف عنهم‪ ،‬لوضع تسمية تدل على معنى هذا القتل‪ ،‬وأنهم لم يجدوا أنسب‬ ‫من هذه التسمية‪ ،‬ويبدوا لنا أنهم وجدوا أن القتل موجود فعال سلبا أو إيجابا وأن الدافع‬ ‫إليه هو الرحمة وتخفيف ضرر المعاناة من المرض أو غيره‪ ،‬وضرر الموت وترجيحه‬ ‫على المعانات يدخل في باب الرحمة‪ ،‬وهو نفس المعيار بالنسبة لمن يقتل غيره رحمة‬ ‫به‪ 3‬ومن خالل حل اإلشكال الذي تثيره تسمية "القتل الرحيم" يمكن لنا أن نعرف هذا‬. ‫‪ _1‬محمد عبد الجواد محمد‪ ،‬بحوث في الشريعة اإلسالمية والقانون‪ ،‬منشأ المعارف باإلسكندرية‪ ،0991 ،‬ص‬ ‫(‪.)09‬‬ ‫‪ _2‬هدى حامد قشقوش‪ ،‬القتل بدافع الشفقة‪ ،‬دار النهضة العربية ‪ 28‬س عبد الخالق ثروت‪ ،‬القاهرة‪ ،0991 ،‬ص‬ ‫(‪.)11‬‬ ‫‪ _ 3‬محمد عبد الجواد محمد‪ ،‬نفس المرجع‪ ،‬ص (‪.)021‬‬ ‫‪13‬‬.

(18) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫النوع من القتل كما يقرر األطباء‪1‬بأنه هو "تسهيل موت الشخص المريض الميئوس من‬ ‫شفائه بدون ألم أو بتخفيف أالمه رحمة به‪ ،‬سواء كان هذا الشخص مريضا عاديا أو‬ ‫طفالا مشوها ا ويمكن أن يأخذ ثالث صور هي‪:‬‬ ‫‪ _10‬إعطاء المريض جرعة كبيرة من دواء مخفف اآلالم‪ ،‬ويكون هذا الدواء‬ ‫قويا بحيث يقضي عليه‪.‬‬ ‫‪ _18‬أالا يستطيع المريض التنفس إال بواسطة جهاز خاص‪ ،‬فيفصل عنه هذا‬ ‫الجهاز فيقف تنفسه فيموت‪.‬‬ ‫‪ _12‬أن يكون عالج المريض مؤديا إلى استمرار حياته وآالمه دون شفاء‬ ‫فتوقف العالج يؤدي إلى موته وهنا يتحقق الدافع من هذا القتل‪.‬‬ ‫وباإلضافة إلى هذا المفهوم السابق للقتل بدافع الشفقة فقد عرفه البعض‪ 2‬بأنه‬ ‫وضع حد لحياة مريض ال يرجى شفاؤه لتخليصه من أالمه المبرحة فهذا النوع من‬ ‫القتل يفترض وجود حياة إنسان طبيعية تسبب لصاحبها أالما ال تحتمل ويضع حد لهذه‬ ‫اآلالم بقتل المريض طبيا‪ ،‬وقد ذهبت أغلب التشريعات إلى اعتبار القتل إشفاقا جريمة‬ ‫قتل عمد تتوافر فيها جميع أركان الجريمة‪ ،‬من فعل مادي من شأنه إزهاق روح إنسان‬ ‫حي‪ ،‬وقصد جنائي بتوافر إرادة الجاني إلى االعتداء على حياة إنسان حي وإزهاق‬ ‫روحه مع علمه بذلك‪ ،‬وبصرف النظر عن الدوافع والبواعث إلى ارتكابها ألنه ال عبرة‬ ‫في القانون الجنائي ببواعث نبيلة وأخرى دنيئة‪.‬‬. ‫‪ _1‬أسئلة عن آداب الطب اإلسالمي‪ ،‬قسم الطب اإلسالمي‪ ،‬مركز الملك فهد للبحوث الطبية‪ ،‬جامعة الملك عبد‬ ‫العزيز ‪0111‬هـ‪0922-‬م‪ ،‬ص(‪ )22‬و(‪ ،)21‬مقتبس عن "محمد عبد الجواد محمد"‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)811‬‬ ‫‪ _2‬عبد الوهاب حومد‪ ،‬القتل بدافع الشفقة –عالم الفكر‪ -‬المجلد الرابع‪ -‬العدد الثالث ‪ ،0912‬ص (‪.)110‬‬ ‫‪14‬‬.

(19) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫غير أن بعض المحاكم‪ -‬في النظم التي تأخذ بنظام المحلفين‪ -‬أصدرت أحكاما‬ ‫بالبراءة على أساس أن هذا القتل ال ينبعث عن نفس إجرامية لدى المتهم‪ ،‬بل على‬ ‫العكس عن نفس إنسانية رحيمة‪.‬‬ ‫فانسياق المحلفين وراء البواعث اإلنسانية‪ ،‬واالجتماعية عكس االتجاه الذي‬ ‫يدخل العنصر الشخصي في القانون الجنائي‪ :‬وهو أن الفعل ال يخلق المتهم‪ ،‬إذا لم تكن‬ ‫إرادته آثمة‪.1‬‬ ‫وعليه فإن كلمة األوتانازيا تعني لغويا ا الموت أو القتل الرحيم أو الموت‬ ‫الح َسن أو الموت الميسر‪.‬‬ ‫هناك من الفقهاء من يفضل تسمية " تيسير أو تسهيل الموت " ألن عبارة "‬ ‫قتل الرحمة" بالرغم من داللتها على أن القصد هو الرحمة بالمريض بإنهاء آالمه‬ ‫وبالقضاء على حياته‪ ،‬إال أن القتل والرحمة متناقضان من حيث المعنى والمضمون‪.2‬‬ ‫ويعرفه البعض بأنه "وضع حد لحياة مريض ال يرجى شفاءه من آالمه‬ ‫المبرحة" فهذا النوع من القتل يفترض وجوده حياة إنسانية طبيعية‪ ،‬تسبب لصاحبها‬ ‫آالما ال تحتمل‪ ،‬ويوضع حد لهذه اآلالم بقتل المريض‪.3‬‬ ‫ويختلف القتل الرحيم عن القتل بناء على طلب أو برضاء المجني عليه في‬ ‫كون القاتل يرتكبه دون طلب أو رضاء سابق على الفعل من المجني عليه‪ ،‬بل يرتكبه‬ ‫من نفسه بدافع الشفقة عليه إلراحته من اآلالم التي حلت به‪.‬‬. ‫‪ _1‬عبد الوهاب حومد‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)029‬‬ ‫‪ _2‬عراب تاني نجية‪ ،‬مدى مساءلة األطباء جنائيا عن القتل الرحمة‪ ،‬مجلة العلوم القانونية واإلدارية‪ ،‬العدد ‪2‬‬ ‫تلمسان‪ ،‬ص (‪.)012‬‬ ‫‪ _3‬محمد عبد الجواد محمد‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص(‪.)81( ،)09‬‬ ‫‪15‬‬.

(20) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫ويعرف المعجم الموسوعي الفرنسي قتل الرحمة بما ترجمته‪ ":‬موت هين‬ ‫بدون آالم‪ ،‬في حالة تنويم‪ ،‬باستعمال مواد مسكنة مثل (المورفين) والتي تجنب‬ ‫المريض في الحالة الميئوس من عالجها‪ ،‬آالما مبرحة ومستمرة‪ ،‬أو تدهورا جسميا أو‬ ‫معنويا كما لو كان الحال بدون عالج"‪.1‬‬ ‫كما يعرفه محمد عبد الجواد على أنه "استجابة الطبيب المعالج لرغبة‬ ‫مريضه بإنهاء حياته‪ ،‬نتيجة لمعاناة هذا المريض من آالم مبرحة ال يمكن تحملها‬ ‫والميئوس من شفائها نهائيا ا و قطعيا ا"‪.2‬‬ ‫غير أنه في وقتنا الحاضر هناك عدة مفاهيم تندرج وراء اصطالح قتل‬ ‫الرحمة ويمكن تقسيمها إلى ثالثة‪:‬‬ ‫_» قتل الرحمة « بمبادرة فعلية ‪:Euthanasie Active‬‬ ‫‪par‬‬. ‫‪la‬‬. ‫‪mort‬‬. ‫‪donne‬‬. ‫‪l'on‬‬. ‫‪où‬‬. ‫‪active‬‬. ‫‪L'euthanasie‬‬. ‫‪l'administration de médicaments ou de poisons qui provoquent la‬‬ ‫‪.mort du malade‬‬. ‫‪3‬‬. ‫وينطوي وراءه قتل إرادي يقوم به شخص من تلقاء نفسه أو بطلب من‬ ‫المريض كأن يقوم طبيب مثال بتدخل فعلي لقتل المريض بوسيلة ما‪ ،‬مثل إعطائه دواء‬ ‫يسكت أنفاسه إلى األبد‪ .‬ويطلق عليه كذلك "قتل الرحمة العمد"‪.4‬‬. ‫‪ _1‬أمل العلمي‪ ،‬قتل الرحمة والسلوك الطبي من منظور الشريعة والقانون‪ ،‬ط ‪ ،0‬آنفو برينيت‪ ،‬فاس‪ ،‬المغرب‪ ،‬ماي‬ ‫‪0991‬م‪ ،‬ص (‪.)09‬‬ ‫‪ _2‬محمد عبد الجواد محمد‪ ،‬نفس المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)011‬‬ ‫‪_ Pour ou contre l’euthanasie, Dissertation rédigée à partir de copies d'élèves, 1995.‬‬. ‫‪3‬‬. ‫‪ _4‬أمل العلمي‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)81‬‬ ‫‪16‬‬.

(21) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫_» قتل الرحمة « باتخاذ موقف سلبي ‪:Euthanasie Passive‬‬ ‫‪L'euthanasie passive qui consiste à laisser mourir la‬‬ ‫‪personne de mort naturelle, en débranchant par exemple les‬‬ ‫‪appareils qui le maintiennent en vie ou en n'administrant plus de‬‬ ‫‪médicaments‬‬ ‫و يعني إهمال العالج أو التخلي عن وسائله التي من شأنها إطالة حياة‬ ‫المريض‪.‬‬ ‫وهنا قد تكون المبادرة من المريض نفسه‪ ،‬أو الطبيب‪ ،‬أو من ذوي المريض‬ ‫عن قصد أو غير قصد‪ .‬وقد يالحظ المرء أن أفراد عائلة بعض المرضى‪ ،‬خصوصا‬ ‫منهم من يكون في غيبوبة‪ ،‬يستعجلون إخراجهم من المصحات الخاصة وليس بين‬ ‫أحضان ذويه‪ ،‬وذلك رغم إصرار الطاقم الطبي على تقديم العالج‪.1‬‬ ‫تندرج هذه الحالة إذا هلك المريض على إثر ذلك ضمن" قتل الرحمة" باتخاذ‬ ‫موقف سلبي من العالج‪ ،‬وهكذا يقترف أفراد األسرة جريمة قتل شنعاء في حق‬ ‫مريضهم العزيز عليهم من حيث ال يشعرون‪ ،‬كما أن عقابها شديد عند هللا‪.‬‬ ‫وعلى نقيض هذا قد يرشد بعض األطباء خطأ ذوي مرضاهم‪ ،‬أن يأخذوا‬ ‫المصاب إلى بيته النتظار أجله مدعين أنه ميئوس العالج‪ .‬وقد يكون كذلك‪ ،‬لكن في‬ ‫بعض األحوال –الشاذة‪ -‬كان الدافع هو مخافة أن يتم موت المريض في مصحة‬ ‫خصوصية فيسيء ذلك إلى سمعة الطاقم الطبي والمصحة معا‪ ،‬فتضليل عائلة المريض‬ ‫ومساعدتهم على عدم استنفاذ وسائل العالج هو جريمة كذلك تندرج ضمن "قتل‬ ‫الرحمة السلبي "‪.‬‬ ‫‪ _1‬أمل العلي‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)81‬‬ ‫‪17‬‬.

(22) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫_ و أخيرا » قتل الرحمة« غير المباشر )‪:(Euthanasie indirecte‬‬ ‫ويقصد منه مثال استعمال وسائل عالجية خطيرة بكيفية إرادية رغم مخاطرها‬ ‫الجسيمة على حياة المريض بالمقارنة مع العالج بوسائل أخرى دونها خطورة‪.‬‬ ‫وقد نجد من بين المصطلحات مفهوما آخر باسم "قتل الرحمة االجتماعي"‬ ‫يدل في الواقع على قتل عمد في غياب عن إرادة المريض ألسباب كثيرة‪ :‬منها الشفقة‬ ‫على إنسان به نقص‪ ،‬واالعتقاد أن بعض حاالت الوجود اإلنساني ال معنى الستمرارها‬ ‫و الرغبة في تخفيف العبء على عائلة الضحية أو على قسم استشفائي من حالة المعاناة‬ ‫المؤلمة أو الصعبة التحمل‪ ،‬أو كذلك ألسباب اقتصادية‪.‬‬ ‫وبدون شك فإن قتل الرحمة االجتماعي مورس بكيفية مكثفة أكثر في القرن‬ ‫العشرين‪ ،‬فالنظام النازي " تف ا‬ ‫ضل" على ‪ 811,111‬طفل مشوه‪ ،‬أو مختل أو ميئوس‬ ‫من عالجه بالموت‪ ،‬وكان من ذلك أن االستنكار العالمي الذي أعقب هذه الجريمة‬ ‫الشنعاء بتصفية األطفال المرضى والمعطوبين أيقظ الحذر من كل دعوة تتبنى ممارسة‬ ‫قتل الرحمة االجتماعي‪.1‬‬ ‫ومن خالل ما ذكرنا من التعريفات السابقة فإن المقصود من القتل الرحيم هو‬ ‫تسهيل موت شخص ما يعاني من أمراض ميئوس منها‪ ،‬وال يرجى شفاؤه منها‪ ،‬فيقوم‬ ‫الطبيب أو غيره بهذا القتل بدافع الرحمة والشفقة سلبيا ا أو ايجابياا‪ ،‬إلراحة المريض من‬ ‫هذه آالمه المبرحة‪.‬‬. ‫‪2‬‬. ‫‪ _ 1‬أمل العلمي‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)88‬‬ ‫‪ _2‬عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون‪ ،‬القتل الرحيم (دراسة تأصيلية مقارنة)‪ ،‬رسالة لنيل شهادة الماجستير‬ ‫قسم العدالة الجنائية‪ ،‬تخصص التشريع الجنائي اإلسالمي‪ ،‬جامعة نايف العربية للعلوم األمنية‪ ،‬الرياض‪8119 ،‬م‬ ‫ص (‪.)01‬‬ ‫‪18‬‬.

(23) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫أما في التعبير العلمي المعاصر فتعني كلمة األوتانازيا "تسهيل موت‬ ‫ح منه مقدم للطبيب المعالج "‪.‬‬ ‫الشخص المريض الميئوس من شفائه بناء على طلب ملِ ٍ‬. ‫المطلب الثاني‬ ‫نظرة تاريخية عن القتل الرحيم‬ ‫تعود الجذور التاريخية لهذا النوع من القتل إلى مراحل عميقة في التاريخ‬ ‫حيث تشير الروايات إلى أن هذا النوع من القتل كان يستخدم في مجال الحيوانات فكان‬ ‫الحيوان الذي يتوجع وال يرجى في شفائه واالنتفاع به يقتل راحة له من عذابه‪.‬‬ ‫‪Il s’agissait dans l'antiquité d'une mort au combat, d’une‬‬ ‫‪ou d’une mort couronnant une belle vie. ,mort pour des valeurs‬‬ ‫‪Puis ce terme a pris le sens d’une mort sans douleur, et‬‬ ‫‪aujourd’hui celui, presque exclusif, d’une mort provoquée‬‬ ‫‪.volontairement‬‬. ‫‪1‬‬. ‫ينسب مصطلح القتل الرحيم أو القتل بدافع الشفقة ‪ L’euthanasie‬إلى القس‬ ‫والفيلسوف االنجليزي ‪" Roger Bacon‬روجيه باكون"‪ ،‬امتدت حياته ما بين عامي‬ ‫‪ 0801‬و ‪ 0891‬في القرن الثالث عشر‪ ،‬والذي كان يقول‪ ":‬على األطباء أن يعملوا‬ ‫على إعادة الصحة إلى المرضى‪ ،‬وتخفيف آالمهم‪ ،‬ولكن إذا وجدوا أن شفاءهم ال أمل‬ ‫فيه‪ ،‬فيجب عليهم أن يهيئوا موتا ا هادئا ا وسهالا‪ ،‬وإن األطباء ال يزالوا يعذبون مرضاهم‬ ‫رغم قناعتهم بأنهم ال يرجى شفائهم‪.2‬‬. ‫‪_ Jean René Moret,Exposé d’éthique , L’euthanasie, 02 juin 2012.‬‬. ‫‪1‬‬. ‫‪ _2‬هدى حامد قشقوش‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)02(،)08‬‬ ‫‪19‬‬.

(24) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫كما أن لكالم "روجيه باكون" أصوالا في الفلسفات اليونانية القديمة فنجد‬ ‫‪"Platon‬أفالطون" يقول في كتابه الجمهورية الكتاب الثالث والذي قرر فيه‪ ":‬إن على‬ ‫كل مواطن في دولة متقدمة واجبا يجب أن يقوم به‪ ،‬ألنه ال يحق ألحد أن يقضي حياته‬ ‫بين األمراض واألدوية‪ ،‬ويجب وضع قانون مؤداه وجوب تقديم العناية إلى كل‬ ‫المواطنين األصحاء جسميا ا وعقلايا‪ ،‬أما الذين تنقصهم سالمة األجسام‪ ،‬فيجب أن يتركوا‬ ‫للموت‪.1‬‬ ‫وهذا الكالم موافق لكالم "سقراط" وأتباعه الذين سموه "التدبير الذاتي للموت‬ ‫بشرف" ولذلك نجد سقراط سعى لتطبيق ذلك على نفسه‪ ،‬وذلك عندما سعى طالبه‬ ‫لتهيئة الوضع له لتهريبه من السجن الذي سجن فيه‪ ،‬رفض ذلك بل ولجأ إلى تناول‬ ‫السم لكي يموت يشرف‪.‬‬ ‫وكان "توماس مور" ‪ Thomas Moore‬في كتابه "الوهم" ‪ Utopie‬عام‬ ‫‪0101‬م يرى أن على أن القس والقضاة حث التعساء على الموت‪ ،‬وكان هذا هو نفس‬ ‫رأي الفيلسوف"نيتشيه"‪.2‬‬ ‫أما على مستوى النظم الحديثة‪:‬‬ ‫ففي عام ‪0911‬م‪ ،‬وضعت والية أوهايو بالواليات المتحدة األمريكية مشروع‬ ‫قانون يجيز لكل مريض بمرض ال يرجى شفاؤه‪ ،‬أن يتقدم بطلب الجتماع لجنة مكونة‬ ‫من أربعة أشخاص على األقل لتقرير ما إذا كان من المالئم وضع حد لهذه الحياة أم ال‬ ‫ولكن مجلس النواب والكونجرس رفضا هذا المشروع‪.3‬‬. ‫‪ _1‬عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)02(،)01‬‬ ‫‪ _2‬هدى حامد قشقوش‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)02‬‬ ‫‪ _3‬عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون‪ ،‬نفس المرجع‪ ،‬ص (‪.)02‬‬ ‫‪20‬‬.

(25) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫وفي عام ‪0988‬م‪ ،‬كانت روسيا أول دولة أوروبية تصدر قانونا ال يجرام ما‬ ‫يسمى بقتل الرحمة بناء على طلب المريض‪ ،‬ولكن لم يمض أشهر حتى ألغي هذا‬ ‫القانون آلثاره السلبية‪.‬‬ ‫وفي عام ‪0921‬م‪ ،‬تم إنشاء الجمعية األمريكية لقتل الرحمة‪ ،‬والتي تغير‬ ‫اسمها عام ‪0911‬م إلى جمعية "حق اإلنسان في الموت"‪.‬‬ ‫وفي عام ‪0921‬م‪ ،‬تقدمت إحدى الجمعيات المؤيدة للقتل الرحيم في انجلترا‬ ‫بمشروع قانون يبيحه ولكن رفض‪.‬‬ ‫وفي عام ‪0929‬م‪ ،‬أصدر‪ "Hitler‬أدولف هتلر" مرسوما ا يسمح بموجبه‬ ‫لألطباء بقتل األشخاص الذين يقرر األطباء أنه غير ممكن عالجهم بعد فحص طبي‬ ‫معمق وقد ترتب على هذا النص في نهاية الحرب العالمية الثانية تصفية ‪ 811‬ألف‬ ‫شخص‪.1‬‬ ‫وفي عام ‪0911‬م‪ ،‬في محكمة تور يرغ األمريكية أدين عدة أطباء بسبب‬ ‫الموت المريح واعتبر كأنه جريمة ضد اإلنسانية‪ ،‬ووافق البرلمان أوهايو في أمريكا‬ ‫الشمالية على القتل المريح لمن ولد مشوها ا أو يعاني من آالم شديدة‪.2‬‬ ‫وفي ‪0911‬م‪ ،‬صرح "البابا بيوس عشر" الكاثوليكي‪ ،‬بأن الطبيب ليس ملزما ا‬ ‫أدبيا ا إالا بالوسائل العادية للمحافظة على الحياة والصحة‪ ،‬والتي ال تتضمن أضراراا‬ ‫بصحة المريض‪ ،‬ثم عاد وصراح بعد ذلك في عام ‪0912‬م بما يستفاد منه موافقته بدافع‬ ‫الشفقة إذ قال‪ :‬يجوز للطبيب إعطاء المسكنات للمريض المحتضر بعد موافقته بكمية‬ ‫لتخفيف آالم وتعجيالا للموت‪.‬‬ ‫‪_1‬جابر إسماعيل الجحاحجة‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)881‬‬ ‫‪ _2‬أحمد محمد خلف المومني‪ ،‬القتل المريح بين الشريعة والقانون‪ ،‬المجلة األردنية في الدراسات اإلسالمية‪ ،‬المجلد‬ ‫الخامس‪ ،‬العدد(‪/2‬أ)‪ ،‬األردن ‪8119‬م‪ ،‬ص (‪.)11‬‬ ‫‪21‬‬.

(26) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫وأول منظمة للعالج بالمسكنات المؤدية إلى الموت تعود إلى عام ‪ 0911‬في‬ ‫بريطانيا (منطقة ساندر) ‪ Cecily çander‬في مستشفى القديس ‪Saint Chriatipha‬‬ ‫و تطور العالج منذ هذا التاريخ في بريطانيا‪ ،‬حيث كانت أول دولة اعترفت بالعالج‬ ‫بالمسكنات كاختصاص في الطب‪.1‬‬ ‫وفي عام ‪0928‬م‪ ،‬تأسست جمعية بريطانية لتسيير الموت وتسهيله‪ ،‬وتقديم‬ ‫المساعدات المادية والنفسية لمن يرغب بالموت‪.2‬‬ ‫وفي عام ‪0921‬م‪ ،‬أوضح استبيان للرأي العام الفرنسي أن ‪ %21‬من‬ ‫الفرنسيين يؤيدون القتل الرحيم‪ ،‬وبناء على هذا يصبح من حق المريض القيام بما‬ ‫يسمى القتل الرحيم‪ ،‬استناداا لمبدأ الحرية في الموت مقابل الحق في الحياة‪ ،‬كما قرر‬ ‫‪ %11‬منهم رغبتهم في تعديل القانون الجنائي الفرنسي الذي يجرم القتل الرحيم‪ ،‬وذلك‬ ‫وفقا ا لما عبرت عنه إحدى الجمعيات المسماة "الحق في الموت بكرامة"‪.3‬‬ ‫وتقول الدكتورة "هدى قشقوش" عاصرت بنفسي في عام ‪0921‬م بفرنسا‬ ‫وألمانيا تزايد اتجاهات الرأي العام لقبول فكرة إباحة القتل شفقة‪ ،‬والمطالبة بتعديل‬ ‫التشريعات الجنائية للسماح بإباحته‪ ،‬وانتشار جمعيات المتطوعين الذين يدعمون هذا‬ ‫االتجاه وبالذات في قضية ‪" Daneila‬دانياال" تلك الفتاة األلمانية التي تبلغ من العمر‬ ‫‪81‬عاما ا والتي أصيبت في حادث تصادم عام ‪0922‬م أدى إلى شلل كلي‪ ،‬ولم تعد‬ ‫تستطيع تحريك أي جزء من أجزاء جسدها‪ ،‬وظلت في حالة شلل تام لمدة خمس‬ ‫سنوات وطالبت بحقها في الموت‪ ،‬و انظم إليها الرأي العام في ألمانيا إلى أن تطوعت‬. ‫‪ _1‬أحمد محمد خلف المومني‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)11‬‬ ‫‪ _2‬عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص(‪.)09‬‬ ‫‪ _3‬أحمد بلحاج العربي‪ ،‬األحكام الشرعية والطبية للمتوفى في الفقه اإلسالمي‪ ،‬مجلة البحوث الفقهية المعاصرة‬ ‫السنة ‪ ،00‬العدد ‪ ،18‬ص (‪.)81(،)81‬‬ ‫‪22‬‬.

(27) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫فتاة مجهولة في منظمة "الموت اإلنساني" وفي تاريخ ‪ 82‬ديسمبر ‪0922‬م ساعدتها‬ ‫هذه المتطوعة المجهولة على الموت‪.1‬‬ ‫و أما على صعيد الحوادث الفردية التي تنبع من اجتهادات شخصية‪:‬‬ ‫و أول قضية في قتل الرحمة عرضت على القضاء األمريكي‪ ،‬كانت سنة‬ ‫‪0282‬م وكان الجاني أبا ا أغرق أطفاله الثالثة ليذهبوا حسب اعتقاده إلى الجنة مباشرة‪.‬‬ ‫ففي عام ‪0908‬م‪ ،‬قتل أحد وكالء النيابة العامة في فرنسا زوجته المصابة‬ ‫بشلل نصفي ناشئ عن إصابة دماغية في الرأس )‪ (Hémiplégique‬وعند استفساره‬ ‫صرح أمام المحكمة أنه قام بواجبه تجاه زوجته التي تعاني وذلك لكي يخلصها من‬ ‫آالمها الشديدة والمبرحة‪.‬‬ ‫وفي عام ‪0981‬م‪ ،‬قام زوج أمريكي بقتل زوجته بالسم بناء على طلبها‬ ‫وكانت مريضة بمرض مستعصي وغير قابل للشفاء‪.‬‬ ‫وفي عام ‪0981‬م‪ ،‬قتلت فتاة فرنسية فتاة تدعى (‪ ARMINSKA‬أرمينسكا)‬ ‫خطيبها الذي كان مصاب بالسرطان وأجريت له عملية جراحية ونقل دم‪ ،‬ولكنه ظل‬ ‫يعاني أالما غير محتملة فتوسل إلى خطيبته ورجاها أن تنهي أالمه فقامت بحقنه بكمية‬ ‫كبيرة من المورفين ثم قتلته بمسدسها‪.2‬‬ ‫وفي عام ‪0911‬م‪ ،‬أجرت نقابة األطباء استفتاء ظهر منه أن ‪ % 21‬من‬ ‫األطباء يمارسون القتل الرحيم‪ ،‬وذلك لوضع حد لحياة الميئوس من شفائه‪ ،‬لتخليصه‬ ‫من آالمه المبرحة دون علم المريض أو أسرته‪.3‬‬ ‫‪ _1‬هدى حامد قشقوش‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)01(،)02‬‬ ‫‪ _2‬عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص(‪.)81‬‬ ‫‪ _3‬عمر بن عبد هللا بن مشاري السعدون‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص(‪.)80‬‬ ‫‪23‬‬.

(28) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫وفي عام ‪0912‬م‪ ،‬نشر طبيبان أمريكيان مقاالا في مجلة ‪New England‬‬ ‫‪ ،Of Medcine‬ذكرا فيه أن ‪ 12‬طفالا ماتوا في مؤسسة متخصصة بالعناية باألطفال‬ ‫المولودين حديثاا‪ ،‬بموجب قرار اتخذه الجهاز الطبي المعالج واآلباء بعدم بذل أي عناية‬ ‫لهؤالء األطفال‪ ،1‬كما نشر جراح إنجليزي لألمراض العصبية مقاال في‪British :‬‬ ‫‪ Médical Journal‬ذكر فيه أنه كلف بمعالجة ‪ 21‬طفال مصابين بورم خلقي متوسط‬ ‫في العمود الفقري‪ ،‬وشق العمود الفقري ولكنه قرر عدم عالج ‪ 81‬منهم‪ ،‬فماتوا قبل‬ ‫شهر التاسع من عمرهم‪.2‬‬ ‫وفي الواليات المتحدة األمريكية أثارت قضية عائلة فتاة تدعى "كاترين"‬ ‫الرأي العام األمريكي‪ ،‬ففي ‪ 0911/11/01‬دخلت هذه الفتاة المستشفى وهي في حالة‬ ‫غيبوبة عميقة‪ ،‬أي فقدت كل إدراك واتصال بالعالم الخارجي‪ ،‬ورغم أن خاليا مخها‬ ‫كانت ال تزال حية فاعتبرت في عداد األحياء‪ ،‬بفضل استخدام أجهزة اإلنعاش‬ ‫الصناعي واستمرت على هذه الحالة عدة شهور‪ ،‬وعندما تأكد والدها أن حالة ابنته‬ ‫ميئوس منها طلب من األطباء إيقاف هذه األجهزة لوضع حد لحياتها‪ ،‬غير أن األطباء‬ ‫رفضوا هذا الطلب على أساس أنه يتعارض مع قواعد مهنة الطب‪ ،‬وألن المريضة تعد‬ ‫في عداء األحياء وفقا للمعيار الحديث لموت خاليا المخ والذي حددته لجنة طبية في‬ ‫جامعة ه ارفارد‪ ،‬التجأ والد كارين إلى محكمة نيوجيرسي للحصول منها على حكم‬ ‫بوقف هذه األجهزة‪ ،‬واستند في ذلك إلى ضمانات الدستورية وخاصة الحرية الدينية‬ ‫والحماية التي يقررها الدستور ضد العالج اإلنساني والقاسي كما هو منصوص عليه‬ ‫في التعديل الثامن‪ ،‬غير أن هذه المحكمة العليا لوالية نيوجيرسي‪ ،‬أصدرت في‬. ‫‪ _1‬أحمد بلحاج العربي‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)11‬‬ ‫‪ _2‬حومد عبد الوهاب‪ ،‬المسؤولية الطبية الجزائية‪ ،‬مجلة الحقوق والشريعة الكويت‪ ،‬السنة الخامسة‪ ،‬العدد الثاني‬ ‫الكويت ‪0920‬م‪ ،‬ص (‪.)012‬‬ ‫‪24‬‬.

(29) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫‪0911/10/81‬م قرار اإليقاف بعد ثبت لديها استحالة عودة المريضة للحياة الطبيعية‬ ‫وقد ألف والدا كاترين كتابا عن الحالة المأساوية ألبنتهما ‪..1‬‬ ‫وقد عرضت على القضاء البلجيكي حالة تتلخص وقائعها‪ ،‬في أن أم رزقت‬ ‫بطفلة مصابة بتشوه فضيع عند والدتها نتيجة لما كانت تتعاطاه األم من أدوية مهدئة‬ ‫لألعصاب أثناء الحمل‪ ،‬فقام الطبيب البلجيكي كاستور عام ‪ 0910‬بناء على توسالت‬ ‫األم وإلحاحها بقتل الطفلة بالسم‪ ،‬وصدر حكم بالبراءة استنادا إلى قرار المحلفين الذي‬ ‫جاء باالجتماع أنه غير مذنب‪ ،‬رغم أن أسباب هذا الحكم لم تكن متناسقة مع أحكام‬ ‫القانون البلجيكي الذي يعاقب على القتل أيا كان الباعث فيه‪.‬‬ ‫وفي عام ‪0990‬م‪ ،‬نجد منظمة تطلق على نفسها "منظمة القتل الرحيم" قامت‬ ‫بإنشاء شبكة إعالمية ضخمة تنشر في ‪ 1‬دول و ‪ 11‬والية أمريكية و تقوم هذه الشبكة‬ ‫بدور خطير لتثقيف الناس بأهمية القتل الرحيم من خالل نشر المجالت وأشرطة‬ ‫الحاسب اآللي‪ ،‬ويوجد هاتف على مدار الساعة للرد على استفسارات المتصلين‬ ‫وللمنظمة موقع على شبكة االنترنيت يزيد عدد زواره على ‪ 01‬ألف زائر‪.‬‬ ‫وفي نفس سنة ‪0990‬م‪ ،‬أنشأت جماعة تسمى نفسها "الموت بكرامة" وقامت‬ ‫بعمل استفتاء في والية واشنطن‪ ،‬وقد كتبت في ورقة االقتراع‪( :‬هل توافق على إنهاء‬ ‫حياة المريض الميئوس من شفائه؟)‪.‬‬ ‫وبناءا على هذا اإلرث التاريخي للمشكلة في الغرب‪ ،‬وهذه الجهود الكبيرة‬ ‫سابقا ا والحقاا‪ ،‬والتي ذكرنا بعضها‪ ،‬فإنها بال شك أثرت تأثيرا كبيرا على الرأي العام‬ ‫الغربي سواء بالتأثير المباشر أو غير المباشر على صناع القرار وواضعي القوانين‬. ‫‪ _1‬مروك نصر الدين‪ ،‬زراعة األعضاء البشرية في القانون الجزائري والشريعة اإلسالمية –دراسة مقارنة‪ ،‬بحث‬ ‫لنيل شهادة الماجستير في القانون الجنائي والعلوم الجنائية‪ ،‬الجزائر‪ ،‬ص (‪.)801‬‬ ‫‪25‬‬.

(30) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫والتأثير على األطباء والمؤسسات الطبية وأفراد المجتمع سواء المرضى‪ ،‬ذويهم‪ ،‬أو‬ ‫غيرهم‪.‬‬ ‫ولذلك نجد أن الحكومة الهولندية في عام ‪0999‬م‪ ،‬وقد أجازت وأقرت‬ ‫مشروع القتل الرحيم‪ ،‬والمساعدة على االنتحار حتى بالنسبة لألطفال ما فوق ‪ 08‬سنة‪.‬‬ ‫ورغم عدم وجود إحصائية سنوية في هولندا توضح عدد الحاالت التي تم‬ ‫قتلها بدافع الرحمة‪ ،‬فإن التقديرات تختلف من ألفي حالة سنويا ا في أقل تقدير إلى عشرة‬ ‫آالف حالة سنويا ا في أكمل تقدير‪.1‬‬ ‫وفي بلجيكا تم تسجيل ‪ 812‬حالة للقتل بدافع الرحمة خالل سنة واحدة‪ ،‬وقد‬ ‫زاد عدد الوافدين إلى سويسرا بحثا ا عن المساعدة‪ ،‬إلنهاء حياتهم‪ ،‬من ‪ 2‬أشخاص في‬ ‫عام ‪8111‬م إلى ‪ 11‬شخصا ا في عام ‪8118‬م‪.‬‬ ‫وتشير اإلحصائيات في سويسرا أن هناك ما يقارب ‪ 0211‬حالة يطلبون‬ ‫المساعدة إلنهاء حياتهم سنويا‪ ،‬ويرفض ما يقرب من ثلثيهم‪ ،‬ونصف الذين يقبلون عادة‬ ‫ما يموتون ألسباب أخرى‪ ،‬والبقية يقدرون بـ ‪ 211‬شخص هؤالء تتم مساعدتهم إلنهاء‬ ‫حياتهم‪.‬‬ ‫وفي عام ‪8110‬م‪ ،‬قامت ممرضة سويسرية وتحت ذريعة الرحمة والشفقة‬ ‫بقتل ‪ 82‬مسنا ا يقيمون في عدة دور للعجزة‪.‬‬ ‫ولم يقف الغرب عند اقتصار القتل الرحيم على أصحاب األمراض العضوية‬ ‫الميئوس من شفائها‪ ،‬بل ازداد األمر اتساعا ا وبعداا عندما أضيف إلى ذلك أنه من الممكن‬ ‫تطبيق القتل الرحيم على الذين يعانون من أمراض نفسية‪ ،‬كما طالب طبيب نفسي‬ ‫بريطاني في المجلة الطبية البريطانية بالسماح بالقتل بدافع الرحمة لمن يعاني من‬ ‫‪ _1‬البار محمد بن علي‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص(‪.)11‬‬ ‫‪26‬‬.

(31) ‫ماهيـة القتل الرحيـــم‬. ‫الفصل األول‬. ‫أمراض نفسية مزمنة ال يمكن الشفاء منها‪ ،‬بل زاد األمر واتسع حتى جاءت المطالبة‬ ‫بتطبيق القتل الرحيم على كل من يعاني من ظروف معيشية وحياتية صعبة ككبار السن‬ ‫الذين يعانون من أمراض متعددة‪ ،‬وال يستطيعون مساعدة أنفسهم في قضاء حاجاتهم‬ ‫كالبول‪ ،‬مما يكلف األسرة عبئا ا وجهداا كبيرين‪ ،‬فلذا من حق األسرة أن تطلب إنهاء‬ ‫حياته بما يسمى (الموت الرحيم)‪.1‬‬ ‫و بهذا نجد أن العالم في مواجهة خطر جسيم ال يقيم لإلنسان احترام بمجرد أنه‬ ‫أصابه مرض‪ ،‬أو أصبح غير قادر على العمل‪ ،‬فلهذا يرون أنه ما دام غير قادر على‬ ‫اإلنتاج والعمل ثم أن عالجه يكلف أهله وذويه ومجتمعه تكاليف باهظة‪ ،‬فإنه من حق‬ ‫األهل والمجتمع والدولة التخلص من هذا العمل الثقيل‪ ،‬وهذه نظرة قاصرة ومادية‬ ‫جشعة لإلنسان‪ ،‬وهي أنه ال بقاء إال لألقوى واألصلح‪.‬‬ ‫أما في العالم العربي واإلسالمي فلم تصل المشكلة لهذا الحد‪،‬ألن ديننا‬ ‫وتاريخنا وتراثنا اإلسالمي يضع اإلنسان موضع التقدير واالحترام كيف ال‪ ،‬ونحن‬ ‫نؤمن ونسمع قوله تعالى‪ {:‬ولق ْد ك ّر ْمنا بنِي آدم وحم ْلناهُ ْم فِي الب ِّر والب ْحر ورز ْقناهُم‬ ‫ضلناهُم على كثِير م ّمن خل ْقنا تفضيالً } سورة اإلسراء‪.2‬‬ ‫ت وف ّ‬ ‫من الطّيبا ِ‬ ‫ولكن هناك مخاوف كبيرة من التأثر بالمجتمعات الغربية‪ ،‬كما هي عادة‬ ‫العرب والمسلمين في قرون االنحطاط والتبعية‪ ،‬فكلما نعق ناعق في بالد الغرب وجدنا‬ ‫له صدى في بالد اإلسالم فكيف إذا كان الناعق على شكل قوانين ومنظمات‪ ،‬ورأي‬ ‫عام غربي يزداد يوما ا بعد يوم‪ ،‬ولهذا وجدنا في بعض القوانين العربية إشارات لمثل‬ ‫هذا القتل بل‪ ،‬وجعلت أحكامها مخففة عليه‪ ،‬كما في (قانون العقوبات السوري في المادة‬ ‫‪ )122‬و(قانون العقوبات اللبناني المادة ‪ )118‬وغيرها‪ ،‬فقامت بتخفيف العقوبة فيها‬. ‫‪ _1‬البار محمد بن علي‪ ،‬المرجع السابق‪ ،‬ص (‪.)22( ،)28‬‬ ‫‪ _2‬سورة اإلسراء‪ ،‬اآلية ‪.11‬‬ ‫‪27‬‬.

Références

Documents relatifs

Trastuzumab in combination with chemotherapy versus chemotherapy alone for treatment of HER2-positive advanced gastric or gastro-oesophageal junction cancer (ToGA): a phase

Adding the confirmed ENRIA MSPs increased the amount of strains identi fied with high con fidence to 4718 (74.8%) and decreased the number of strains identi fied with low confidence

‫ يعمل المغرب دوما على تشجيع الحوار بين األديان السماوية نظرا لما يلعبه من دور أساسي في الحفاظ على التعايش السلمي‬‫* أكتبي موضوعا مقاليا توضحي فيه ‪:‬‬

ﺔﻤﺘﺎﺨ : ﺭﻭﻀﺤ ﻲﻓ ﺙﺤﺒﻟﺍ ﺍﺫﻫ ﻥﻤ ﺹﻠﺨﻨ ﻡﻴﺩﻘﻟﺍ ﻲﺒﺭﻌﻟﺍ ﺭﻌﺸﻟﺍ ﻲﻓ ﻡﻠﻌﻟﺍ ﻥﺎﻜﻤﻟﺍ. ﻡﻭﻠﻌﻤ ﻲﻓﺍﺭﻐﺠ ﺯﻴﺤ ﻰﻠﻋ لﻴﺤﺘ ﻡﻼﻋﺃ ﺔﻨﻜﻤﺄﺒ ﺕﺎﻓﻭﺼﻭﻤﻭ ﺙﺍﺩﺤﺃ ﻁﺎﺒﺘﺭﺍ ﻰﻟﺇ

Dans ce contexte, noter bien que la réponse de vitesse pour le test 1 (ligne rouge Figure 3.17.a) est presque indistinguable par rapport la réponse de vitesse pour le test

Association of pregnancy per artificial insemination with gonadotropin-releasing hormone and human chorionic gonadotropin administered during the luteal phase after

19.4% 22.6% 19.4% 0.0% 5.0% 10.0% 15.0% 20.0% 25.0% 30.0% 35.0% Reqmts definition issues Govt-prime interactn Program- to-program interactns Causes % of Engineering Changes..

Christophe Bisière, University Toulouse Capitole, TSE and TSM-R (France) Matthieu Bouvard, University Toulouse Capitole, TSE and TSM-R (France) Quentin Bramas, ICUBE, University